عباس بيضون


2-Abbas Baydoun

لا أعرف كيف يحدث ذلك. لمسة خفيفة غير متوقعة للكأس فيقع على جنبه ويسيل منه الماء، أو الشاي أو النبيذ على الطاولة، وربما على مفرشها الأنيق، وسيبقّعها ويجري بين الصحون والأطباق، وإذا الطاولة التي كانت زينة قبل قليل تصبح رطبة ملطخة. ستكون شهية وناصعة وتتحوّل وسخة مبقعة. سيتغلغل السائل تحت الصحون وحولها وربما ينسكب من الحافة على بنطلوني أو، يا للهول، على ثوب إحدى السيدات. سأبحلق في كل ذلك بدون أن أعرف أين أضع نفسي. لقد قلبت تماماً الجو، خرّبت الجلسة. فعلت ذلك أنا الذي اجتهد لكي لا أكون ملحوظاً كثيراً، ويكلفني هذا غالباً أن أصمت إذ يكفي أن أرفع صوتي فوق العادة لأشعر أني جرحت الجو وغدوت فجأة نافراً، والعيون الشاخصة تكاد تأكلني. أعاني دائماً ما يمكن أن يكون مشكلة إيقاع. أخشى باستمرار أن أبدو ناشزاً، أن يفوتني الإيقاع أو أخرج عنه في لفتة، أو حركة أو عبارة. حين أرمي جملة وأرى الآخر يبحلق فيّ غير واع لما أقول لا أعرف كيف أسحبها.

حين أجد نفسي أمام النبيذ الأحمر المسكوب وهو يدفق ويتفرق في أطراف الطاولة ويسرع إلى جنب، ويمكن أن يسقط على ركبة سيدة، ابتسم مستسمحاً متوقعاً أن أكسر هكذا العداء الذي لا بد تولّد ضدي، ولا أحظى بأن ألاحظه عياناً. إنه يلمع فوراً في بعض العيون. قد أقوم بحركة خرقاء لحماية ثوب السيدة، كأن أحاول أن أبعد عنها المفرش فيسيل هكذا النبيذ الذي يكون تجمع على الحافة، وأتسبب في سقوط المزيد منه عليها. قد اتهكم على نفسي في جمل معدة سلفاً. "كنت استغربت لو حدا غيري عملها"، إنها الجملة التي سمعتها مرة من إنكليزي زائر، لكن هذا لا يمنع أن الطاولة تلطخت والنبيذ لا يزال ظاهراً عليها. إن شيئاً يشبه الجريمة قد حصل.

لم تكن حركة يدي عنيفة، بالكاد مسّت الكأس، بل لم أشعر أني لمستها. مع ذلك فإن أمراً شنيعاً قد حدث. يكفي أن أرى الطاولة والثوب الرطب بالنبيذ، لأفهم أن هذا لا يمكن تداركه، ولا اعادته لما كان عليه، بلمسة خفيفة أيضاً. كل هذا بثمن شيء لم يحصل أو حصل بالكاد. غريب أن تكون في أناملي، في يدي الثخينة الأصابع، هذه القدرة على الخراب. كيف يمكن أن أوازن بين رقتي المفترضة وبين هذه الفظاعة الواضحة على المائدة. كل هذا بذنب سنتيمتر واحد زائد أو أقل. هناك خطأ في هذا كله. خطأ ليس مني. إنه مركّب في أصابعي أو في الجو نفسه. كيف يمكن ألا تتجاوز أحياناً ببضع ميلليمترات. هناك شيء يسبقني ويسبق إرادتي وربما يبطلها. لم أفعل شيئاً ومع ذلك فعلت كل شيء. أنظر إلى يدي بدون فهم. لماذا صنعتْ ذلك وهل حقاً صنعتْه. من أين جاءتها القدرة على صنعه. أفكر أن أجسامنا ليست لنا. لا بد أن في الأمر شيئاً ميتافيزيقياً. الخطايا الأصلية تحدث هكذا.

لم يكونوا اخترعوا الخدمة العسكرية بعد. كانوا يكتفون بيوم تدريب واحد كل ثلاثة أسابيع. نخرج فيه إلى الثكنة أو إلى العراء. مدربونا، الذين لا أعرف إذا كانوا بالصدفة ضخاماً، يبالغون في بذاءاتهم، كأنهم يتبجحون بها علينا، نحن الأغرار الذين لم نقسُ بعد وعليهم أن يصنعوا منا رجالاً. كان يوم التدريب عندي جحيماً، إذ عرفت من الأول أني سأكون أضحوكة الصفّ.

منذ أن بدأنا المشية العسكرية تحقق ذلك. كيف لي أن أنتظم بالمشي مع الآخرين أنا الذي لا أعرف كيف أمشي وحدي.

"واحد اتنين، واحد اتنين"... الجميع تقرع أقدامهم في اللحظة ذاتها إلا أنا، فقرعة قدمي تسمع بعدهم. يكيل لي المدرب من بذاءاته، ويضحك التلاميذ ثانية وهم يرونه يغسلني بالشتائم، بعد أن ضحكوا أولاً وهم يسمعون قرعة
قدمي الناشزة.

يلي ذلك "تنكّب سلاحك"، بحركتين أو ثلاث تغدو البندقية وراء ظهر المتدرب إلا أنا فأجدها مشنوقة على صدري. كان ذلك شقاء حقيقياً. اسمع الضحك وأرى العيون مسلّطة عليّ. وحدي وسط ثلاثين تلميذاً، عارياً تقريباً تحت ضحكاتهم واشاراتهم. لا يمكن أن يكون الأمر أكثر من هذا. لا يمكن أن أجد نفسي في موقف أشد زراية. مع ذلك كنت أخرج حياً من الفضيحة وسرعان ما يندمل ذلك فيّ. يندمل، أقولها لأني كنت مدرباً على هذا، أن أمتص ما يحدث بدون أن يمزقني، أن أراه وكأنه يحدث مع غيري. أمر مضحك بالطبع وهم يضحكون عليه لا عليّ. لا أزال بالنسبة لهم، والأهم بالنسبة لنفسي، الأكثر ثقافة وموهبة. لقد فشلت لكن هذا ليس أنا. لست المشية العسكرية ولا تنكب السلاح. لست هم أيضاً. أنا كتابي وكلامي وما ينتظرني. محاكمة كهذه تطمئنني في النهار لكن الأمر يختلف في الليل. عندها لن أنام. سأظلّ أسمع ضحكاتهم طوال الليل. سأمضيه مكشوفاً وسطهم. سأكون عندئذ مرمياً في خجلي. مهانة لا ترحم لكنها لن تقتلني. سأتراجع إلى دفاعاتي وأمتصه. سيندمل فيّ ولن يعود مؤلماً.

لا بد أني فعلت شيئاً خارقاً لأعود فأسترد احترامي. لم أهرب، كنت أعاود التسلل وأحاول لمرة جديدة أن أنجح. لم أكن أشفى من الاهانات لكنها تجمعت على بعضها حتى بدت جلداً آخر لي. كانت دائماً مؤلمة ولكنها تندمل أسرع من السابقة. طورت مقابل كل هذا العنف آلة كلامي. بيني وبين نفسي كنت أسعى إلى أن أحوّل أفكاري وأحاسيسي إلى جمل. كان هذا فني وكان يفعل كلما كبرت وكبروا. استطعت هكذا أن أخدع آخرين أقوياء وأجعلهم في صفي. ساعدتني بضعة كتب على أن أكون مسؤولاً حزبياً. الكتابة أيضاً دعمتني. مع ذلك يمكن لشيء بسيط أن يحرجني. فرضت على نفسي تدريباً شاقاً وطويلاً، لكن أمراً، لم أستعد له، قد يزعزعني. عليّ أن أحافظ على توازن صعب كمن يمشي على حبل. عليّ أن أضع جهداً في كل بادرة. لا شيء يصدر عني عفواً فقط، هناك قليل من الإرادة في كل ما أفعله. ما أقوم به هكذا ليس لصيقاً بي كجلدي. أذكى صديقاتي لاحظن ذلك. فهمن أن حرصي ليس لطفاً فحسب. إنه أيضاً خوف.

يمكن أن تتخيّلوا كم يصعب عليّ أن أرقص. ليست هذه حالي وحدي على كل حال. أحسب أني من جيل لا يعرف جسده إلا حين الأكل أو النوم. لا شك أننا لا نكون في تمام راحتنا في الجنس. أتكلم هنا عن الرجال، إنهم غالباً يصلون قبل اللذة، سرعان ما تنفد رغبة عليلة بالخوف والخجل أساساً. أجسادهم لا تملك الذكاء الكافي لتحسن التصرف أو هي أكسل من أن تحاول الرياضة، لا أعرف أحداً من أصحابي كان لامعاً فيها. الرقص كان أيضاً مشكلة، روجته الفتيات في الحفلات وكان علينا أن نساير. أكثر أصحابي كانوا من الحكمة بحيث فهموا أنهم يمكن أن ينجوا بأقل جهد. حركتان مضبوطتان ويكفي هذا للمسايرة. أما أنا القليل الحكمة أو القليل الحيلة فقد خطر لي أن أرقص فعلاً، أي أن أتصرف بجسدي بدون حساب. لا أعرف إذا كنت اسمع الموسيقى حقاً، أم أن ما كان يعود إليّ هو القفز على الحيطان في الطفولة والدوران حول عمود البيت. كنت أظنني أرقص لكن الحقيقة أني كنت في غليان جسدي، أرسل يدي ورأسي وقدمي بلا حساب وأدور حول نفسي. لم أكن لأنتبه لولا أن الحفلة توقفت تقريباً، ربما بانتهاء الرقصة، وتركتني وحدي، اتطوَّح في الوسط.

أذكر كيف شاهدت نفسي في كاميرا تلفزيونية. لم أكن أنا بالتأكيد، كنت أميل يميناً ويساراً وأهز كل جذعي. ظننتني أمشي بانتظام، أما ما رأيته فكان جسداً يرتطم بالهواء ويترنح ويحفظ توازنه ببهلوانية عشواء. رأيتني لا أحسن المشي فكيف الرقص. مع ذلك لم أتعظ.

أفكر أني لست في جسدي وحده Maladroit. الــ Maladresse كلمة لم اقتنع بترجمتها القاموسية "أخرق". أفضل عليها أعثَر، من عثر عثرة، لكني لا أجدها في القواميس. الـ Maladresse هي أيضاً في روحي وعقلي. الــ Maladresse هي أنا. لم أصل إلى هذا إلا بعد وقت طويل. تعجبت من جسدي كما سبق أن تعجبت من صوتي واتعجب من عقلي. أتيح لي أن ألاحظ ذلك من بعد، في شريط أو كاميرا أو حتى في لحظة تأمل. كنت تماماً، وفي كل حين، عكس فكرتي عن نفسي. عند نفسي كان لي ايقاعي ونغمتي فيما لم أكن سوى هياج وكومة فوضى. أما كيف استطعت أن أعمل بهذا الجسد الهزّاز والعقل الطيار فهذا ما أهنئ نفسي عليه.

أريد هكذا أن أسجل لنفسي فضيلة سلبية. هل كان ذلك صعباً واحتاج فعلاً إلى انضباط قاس وتركيز. لم أشعر بهكذا مشقة وربما غدت المشقة مع الوقت روتينية أيضاً وما عاد ممكناً الانتباه لها أصلاً. قد يكون ذلك صحيحاً وقد لا يكون. ربما قاتلت بالغريزة ولم يبق أي سجلات لهذا الصراع. هل صارعت حقاً هذا الـــ Maladresse أم أنني كنت أراقصها فحسب، أشعر أحياناً أني مدين لها. بل أفكر أن الــ Maladroit قد لا يكون مجرد إنسان بري، قد يكون جنساً بذاته يمكن أن نضعه إلى جنب العادي والمجنون، بل يمكن أن نضعه جنب الرجل والمرأة
والــ Trans والمثلي والمجرد من الجنس. قد يكون نوعاً آخر من البشرية ويمكن أن أكون جئت من هنا.

لكن لــ Maladroit قدرة لا يمكن أن تكون فقط له وحده، لا بد أن هناك عناية، من أي صنف، تساعده. آلهة خاصة به. لا بد أن هناك من يتدخل من فوق ليجعل منه دوامة بشرية، يحوله إلى نظام مضاد أو فوضى أكروباسيّة. ليس مهما كيف يتحرك ويفعل. المهم هو كيف يخرج ويجد حلاً. المهم كيف تتحول هذه الفوضى إلى خط بياني. هل هي حقاً فوضى أم فن. يخاف الـــ Maladroit حين يرى اللون الأحمر النبيذي يبقّع المفرش ولا ينتبه إلى أن هذه لوحة أخرى.

لم أر فيلماً أو أقرأ رواية عن الــ Maladroit إلا وجدت أن هناك ظروفاً تتواطأ عليه، وفي الحقيقة تساعده. إذ كيف يستطيع بدونها أن يظهر فنه، أن يقوم بعجائبه وسحره بلغة أخرى.

كنت في عشاء حافل عند صديق، وصلت متأخراً كعادة ربما يجدر بي الحديث عنها. كان الجميع أصحاباً إلا أن الكثرة، مع ذلك، تخيفني إلا حين أستعين بها لتخفيني. تفادياً لمزيد من الحرج انضممت إلى أول حلقة. كان الصالون الأساسي مليئاً برجال يتوسطهم قليل من النساء. هذه تشكيلة أحبذها وأفضّلها على حلقة من النساء يتوسطهن قليل من الرجال. أشعر هكذا أنني ملحوظ أكثر وعليّ كل لحظة أن أفعل شيئاً. كنت سلمت الورود للسيدة وهذا ما زادني رضا عن نفسي. نهضت إلى المائدة، كنت الوحيد الذي لم يتعشّ. ملأت صحناً وعجلت في الأكل منه. أردت أن لا يطول هذا كثيراً. عدت إلى المائدة، كان حولها عدد من النساء اللواتي يتنقلن بين صحون الحلوى. وضعت في صحني قطعة من الكنافة التي لا أحبها محلاة كثيراً إلا أنه خطر لي أن أضع عليها قليلاً من "القطر". راقت لي في الحقيقة الزجاجة البلاستيكية الصغيرة التي حوت القطر وذكرتني بزجاجات الصمغ التي كانت لي في الطفولة أوعية سحرية. كان عليّ أن أضغط فقط على فم الزجاجة ليسيل القطر. فاتني أن لها سدادة وعلي أن أنزعها قبل أن أباشر ذلك. لم يخرج القطر فزدت ضغطي إلى أن طارت السدادة ورأيت النسوة يبتعدن من حولي مسرعات وكل منهن تداري ثوبها. لم أشعر بالقطر وهو ينتثر، كان بلا لون وانتشر كالرحيق ووصل إلى الجميع رذاذ منه، على الثياب وعلى الوجوه وعلى بقية المائدة.

أكثر ما اتحسس منه هو كل شيء دبق، وأحياناً يتحول العرق إلى مصدر رعب لي، ولا استطيع أن أنظر حتى في السينما منظراً لجسد عار يطلى بسائل لزج. امتلأت ثياب كثيرات وربما أجسامهن بذلك الدبق الذي يعذبني مجرد تخيله. كنت أعرف الجميع لكن المعرفة لا تغفر كل شيء، تلقيت نظرات، أظنها، كارهة. لقد أفسدت زينة النساء لكن الأمر ظل أهون مما لو كانوا رجالاً. أفلتت من بين الأسنان ألفاظ حانقة انطفأت بسرعة وساد لاتعبير كثيف. أظن أن هذا كان حدث السهرة لكنه مع ذلك دار بصمت. لم يفاتحني أحد به، لكني اخترت أن أبقى وحيداً، درت على البلكون والصالتين ومررت مرات بين الحاضرين وأنا أشعر بعزلة غير منظورة استحققتها بلا شك.

في المطعم كنت على مائدة بين ستة أشخاص فرنسيين وعرب. كنا في الحديث حين حمل الغارسون طبقاً كبيراً مليئاً بقوالب ملونة. مر من ورائي ورفع الطبق فوق رأسي وشعري وانسكبت مادة هلامية نزلت في ياقة قميصي وبلغت ظهري. ظننت لأول وهلة أني أنا المسؤول وأني بحركة غير محسوبة سكبت الطبق على نفسي. لكن الغارسون بدا مذعوراً، كانت يده هي التي طاشت. يد الغارسون المدربة على أن ترقص بالصواني والأطباق خانته فوق رأسي. لا أعرف ما الذي انتظره الآخرون مني، إنه الغارسون وأقل من ذلك بكثير يستحق غضباً وكلاماً جافياً لكني لم أفعل شيئاً. ذهبت إلى المغسلة ووجدت المرهم الأصفر على قميصي فغسلت ياقتي وظهري وكمي وعدت هادئاً إلى الطاولة. كانت طرافة الحدث هي التي تشغلني. كنت سعيداً لأني لم أكن الفاعل، لأن آخر فعله مكاني. كانت هذه شبه تضحية منه. لقد حمل عني، ثم إنه كان مثيراً أن أجد بين الغارسونيّة الذين يعيشون من يدهم أعثر مثلي. لم أشعر بإهانة. كيف يمكن أحسّ بذلك، ليس هناك أكثر من هذا الفعل دليلاً على البراءة، ليس هناك أكثر منه حسن نيّة. سرّني أني كنت الضحية هذه المرة.

إنني هذه المرة فقط لم أفعلها.