فادي العبدالله

خلافاً للفكرة الشائعة، ليست النكتة السياسية بالضرورة "تنفيساً" عن احتقان لا مجال لتصريفه في المجال السياسي نفسه. على العكس، لقد ازدهرت النكتة السياسية (أو التلطيش السياسي، سواء صدر عن مسرحيين أم عن سياسيين أو حتى رؤساء جمهورية) مثلاً في لبنان قبل الحرب الأهلية وأثناءها، أما بعد الانتهاء الرسمي للحرب فلم ينتج لبنان شيئاً ذا بال في مجال النكتة السياسية، رغم مسارح الشانسونييه والبرامج التلفزيونية المشابهة لها في ابتذال الإضحاك من خلال التهريج على الأنماط الجسمانية للسياسيين. وحتى مثل هذا النشاط التهريجي تفاقم تراجعه الحثيث اثر اغتيال رفيق الحريري واقفال المجال السياسي، لا سيما بعد حرب 2006. هذا الإقفال لم يولد نكتة سياسية بل ولد ظواهر هستيرية في السياسي قد يراها البعض مضحكة (كزيارة الشيخ الأسير إلى فاريا مثلاً) لكن يغيب عنها تماماً مقصد النكتة ومغزاها المعاصر.

النكتة خاطرة تولّد مفاجأة يستملحها المرء فيضحك لها، أما النكتة السياسية تحديداً في وقتنا الحالي فمقصدها الشحن بطاقة الاستنكار، وشرطها بالتالي هو احساس المتلقي بأنه واعٍ فطن وقادر على الحراك السياسي. فهي إذاً تجمع التهكم إلى التواطؤ.

ربما كان باسم يوسف النموذج الأبرز إعلامياً على مثل هذه المقاربة للنكتة. لقد قام برنامجه على تقديم فواصل بصوته وصورته بين مقتطفات كثيرة من فقرات ينتقيها من مقابلات وتصريحات الإعلاميين والمشايخ والسياسيين على التلفزيون. وقد تتفق الأغلبية على أن فواصله ما هي إلا تمهيد أو خاتمة (وقد يراها الكثيرون ثقيلة الظل) لكنهم يتفقون على حسن انتقائه لما يعرضه.

حسن الانتقاء هذا عملياً هو ما يجعل الضحك ممكناً. النكتة تتركب لدى باسم يوسف إما من تناقض أقوال السياسيين، وبالأخص الإسلاميين منهم، مع صورتهم القارة في الأذهان (اسكتش "المحبة" و "الحب" الذي كرروه في البدايات حلاً لكل شيء مثلاً ، كشف الابتذال في التصرفات على الهواء وخلفه، وغياب أي رزانة واحترام كان ينبغي بالدين أن يضفيه عليهم... الخ) أو من تناقض أفعالهم مع أقوالهم السابقة (مقارنة قرارات مرسي مثلاً بوعوده الانتخابية أو مقارنة التزلف الإسلامي لشخصيات ومواقف مدنية وسلمية قبل هجوم فكرة التمكين...). كلا الحالين مشروط في حقيقة الأمر بالسماح للمشاهد أن يشعر أنه ذكي وواعٍ للدرجة التي تجيز له أن يكتشف التناقض والتهافت في المنطق، لكن كشف التناقض في ذاته ليس مضحكاً لو لم يرافقه شعور المشاهد نفسه بأنه قادر على الثأر لهذه التناقضات وأنه ليس مجبراً على الإذعان الخانع لها. وهذا ما يحول طاقة الغضب الممكنة إلى طاقة ضحك، قابلة لأن تتراكم بدل أن يكون التنفيس عن الاحتقان وظيفتها.

المثال الآخر الذي قد نذكره لهذا الطرح هو أقل شهرة بكثير من باسم يوسف، لكنه ملك غير متوّج على عرش النكتة السياسية الفيسبوكية: سامح سمير.

"مش قادر أصدق ان البرادعي لسة قاعد يرغي على تويتر، انت دلوقتي نائب رئيس الجمهورية، يعني بقيت في موقع مسؤولية له مهامه واعتباراته. ليس هكذا تدار الأوطان يا بوب. شوف الرئيس منصور بيعمل ايه واتعلم منه. فكّك بقى من تويتر ولعب العيال ده، ووفر مجهودك للمداخلات التليفونية على قناة الحياة وبقية الفضائيات".

"أتوقع أن الجدل الدائر حول شعبية السيسي مقارنة بشعبية مرسي سيتم حسمه نهائيا لصالح الأخير. فأيا كانت الأعداد التي ستنزل اليوم تلبية لدعوة السيسي للنزول لا يمكن مقارنتها بالجحافل التي كانت تنزل إلى الشارع تلبية لإعلان مرسي حالة الطوارىء وحظر التجول".

"على البرادعي أن يعلم اننا ننتظر منه أكثر بكثير من تغريدات الشجب والادانة الموجهة لجماهير تويتر. فالوضع تغير الآن وعليه أن يستخدم سلطته كنائب للرئيس ويضع في تغريداته "تاج" [تاغ] للصفحة الرسمية للرئيس منصور".

"تحذير شديد اللهجة للأجانب المقيمين بمصر من القيام بأي اعمال تخريبية. لن تخرب مصر إلا بسواعد أبنائها".

"مصدر رئاسي: مرسي غادر الإتحادية قبل بدء الاشتباكات كي لا يسرق الأضواء من المشتبكين".

***

تقوم نكتة سامح سمير الاستاتوسية على استخدام لغة المعلقين السياسيين الرسميين وصولاً إلى كليشيهاتها الأكثر جموداً، واستعارة الخطاب السائد (سواء في السلطة أو لدى المعارضة) ثم العثور على كلمة محورية تسمح بالانتقال من هذا المستوى من الخطاب إلى آخر غير متوقع (التشديد على أهمية قيام البرادعي، نائب الرئيس المصري حالياً، بواجباته الوظيفية على أتم وجه ودعوته إلى الانتظام وعمل "تاغ" للرئيس منصور في "تغريداته" التويترية مثالاً، أو اعتبار 30 يونيو يوماً "فاصلاً" ونعود بعده... الخ).

هكذا يصيب سامح سمير مستوى الخطاب السائد في مقتل، معتمداً على كلمة غير متوقعة فيه تكسر رصانته الظاهرية.

يتولد الضحك عنده من مفاجأة الانتقال هذه من جمود الخطاب الرسمي أو القبول العام بالسائد إلى اللقطة التي تفردن شخصاً أو تؤدي إلى نقيض المقدمة المنطقية الواسعة القبول من خلال اللعب على اللغة نفسها وعلى الإحالات إلى العالم خارج اللغة هذه (تويتر، الفواصل الإعلانية على التلفزيون...). ويشكل الجزء الأول من الاستاتوس غالباً مناط التواطؤ بين سمير وقارئه.

لا يكتب سامح سمير تحقيراً لمن يتناولهم ولا يدعو قارئه وناقل استاتوسه إلى ازدرائهم. سخريته ألطف من أن تكون بمثل هذه الفظاظة. لكنه يقوم بعملية فضح مزدوجة لسذاجة وشكلانية الخطاب الرسمي والسائد، من جهة، ولخيبة ممثلي هذا الخطاب بالمقارنة مع المعايير التي يفرضها هذا الخطاب عينه للحكم على تصرفاتهم ومواقفهم.

هنا أيضاً لا تعلو الضحكة إلا شرط شعور القارئ أن هذا الخطاب لم يعد ساحقاً دونما إمكانية لرده عن حياته، وشرط تنبه القارئ إلى ما في هذا الخطاب عينه من معايير ضمنية لا يعترض عليها هذا القارئ بل يقيس بها سياسييه. تتولد الضحكة عن المفاجأة لكنها، في الوقت ذاته، تشحن القارئ بأحكام سياسية.

مؤدى القول أن النكتة السياسية الحديثة، في مصر بعد الثورة (كما في تونس وإن كانت تونس أبعد متناولاً بالنسبة لنا، مقارنة بمصر، وذلك لهجةً وانحساراً في انتشار وسائل إعلامها)، أصبحت تقوم على التهكم (أي إبراز عدم انطباق المعايير التي يتشدق بها السياسي بنفسه) لا على الإزدراء، وعلى السخرية (أي الفضح من خلال المفاجأة)، لا على التحقير، وعلى وعي المتلقي المتفائل، لا على شعوره بالعجز، كما على شحنه سياسياً لا على تنفيس احتقانه.

فإذا صح هذا الطرح تبينت للمرء أسباب غياب النكتة السياسية في لبنان، حيث يقوم العاملون في برامجها المفترضة باعتماد السبل المناقضة تماماً لما باتت عليه أسس النكتة حالياً. هذا فضلاً عن شعور اللبناني بالانسحاق (إن لم يكن الحماسة) أمام الخطاب السياسي الماحق الذي لا راد له، بحيث أن تذكيره به لا يستند إلى وعي متجاوز لهذا الخطاب، ولا يؤدي وظيفة الشحن ضده، بل ينفّس، على أحسن الفروض، عن شعور الخضوع الخانع أمامه، هذا إن لم يحتفِ هذا اللبناني بالهجوم التحقيري على سياسيي الطائفة الأخرى. وفي حالات أخرى، كالبرامج المشابهة لبرنامج باسم يوسف (مثل برنامج دي ان ايه الذي يقدمه نديم قطيش)، تطفو النزعة اللبنانية الحالمة بولوج عالم السياسة وتغطي على عرض تناقضات الخطاب واللاعبين السياسيين، فيبدو المقدم للبرنامج جزءاً من فريق العمل السياسي العاكف على "تفنيد" خطاب الآخر لا على استعراضه، ويفوق حديثه بمراحل مختارات الفيديو والتصريحات التي يعلق عليها.

يدل ذلك على أن النكتة السياسية المعاصرة تشترط تشكل مجال خارج السياسة، يسمح للمتلقي بالوعي المستقل، وتشترط وجود هامش تحرك سياسي للفرد الحر يسمح له بالتفاؤل وبالضحك دليلاً على المقدرة على التعامل مع الواقع بدل الانبطاح الذليل أمامه. ذلك غائب بطبيعة الحال في لبنان، مثلما هو غائب في سوريا التي انتجت ثورتها عدداً كبيراً من الحركات الفنية (لافتات ومسرحاً وانترنت) لكنها، إذ أصدرت أغاني جارحة مزدرية، عجزت عن ايجاد كوميدي جديد واحد، بعد أن فضحت السابقين منهم.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬