فراس زبيب


ليست وجوه الشباب الذين قتلتهم هي التي تسكن ذاكرتي. الشباب هؤلاء ماتوا، وأنا ادعو الله ان يرحمهم. هي وجوه لأناس آخرين تلك التي تذكّرني دائما بماضيّ، بتلك الايام التي كان القتل فيها أسهل عليّ من الضحك.

وجه تلك المرأة التي رأتني حاملا ابنها المقتول في احد شوارع بيروت وفي احدى ليالي حربها، هذا وجه لا انساه. اذكر كيف خرجت من المبنى الذي كانت تختبئ في مدخله مع باقي السكّان، واذكر كيف صارت تضربني على وجهي وهي تصرخ وتبكي وتدعو عليّ بالموت. اذكر كيف انها، في تلك اللحظة التي عرفت فيها بموت ابنها الذي أُصيب باربع رصاصات في صدره، لم تكترث بالنظر اليه او بضمّه بين ذراعيها. تركته على الارض حيث وضَعته، وصارت تضربني وتدعو عليّ بالموت.

لم اقل لها انني لم اكن السبب بموته. لم اقل انني حاولت منعه مرارا من حمل السلاح وانني نبّهت الشباب طالبا منهم عدم تسليمه سلاحا. لم اقل شيئا. وقفت امامها اتلقّى ضرباتها وصراخها ودعاءها كأنني طفل راضخ لتوبيخ امه، كأنني رجل يستحق ان يُدعى عليه بالموت وان كان بريئا من التهمةهذه بالذات.

وجه أمي حين عرفتْ انني مقاتل وانني انا قاتل ابن خالي الذي صدف انه كان في غير صفّي، وجهها هذا في تلك اللحظة بالذات لن انساه ابدا. أذكر أنها لم تقل شيئا حين انفعلت انا في حديث كان موضوعه شخصا غيري وقلت ما قلته. يقول المرء احيانا اشياء في غفلة منه، كأن تلك الفسحة التي بين قول الأشياء في النفس وبين قولها بصوت مرتفع تختفي فجأة، فيرى المرء نفسه يقول بصوت عال ما لطالما ابقاه مطمورا في صدره.

في تلك الليلة، كانت اختي تتحدث عن شاب نزل من قريتنا ليشارك في الحرب بعد ان انتسب الى احد احزابها. "صار ازعر مثله مثل المئات من شباب ضيعتنا" صارت تقول اختي، وصارت تحمّل والديه مسؤولية كونه بات مسلّحا من مسلّحي شوارع بيروت.

لا اعرف لماذا دخلت معها في جدال حول ذاك الشاب، ولا اعرف لماذا سمحت لنفسي بأن انفعل كما فعلت. صرنا نتحدث عن مسؤولية الاهل حين يتّخذ ابنهم خيارا كهذا، وعن معنى ان يكون المرء شريرا او غير شرير.

ورأيت نفسي فجأة اتحدّث عن نفسي. قلت الاشياء كما هي، الاشياء نفسها التي لطالما خبّأتها عنهم. قلت لهم إنني مقاتل وإنني قتلت ناسا لأنني أدافع عن القضية التي يخافون هم ان يدافعوا عنها. قلت لهم إنني أكثر جرأة منهم لأنهم يريدون من الآخرين ومن أولاد الآخرين ان يدافعوا لهم عن قضيتهم. "اتعرفون انني، حين اخرج من البيت، اصبح تواً من المقاتلين الذين لا يخافون من القتل ولا من القتال..." قلت لهم. ربما أطالت مخيلتي فترة الصمت الذي تلى كلامي في ذلك اليوم. كأنني في كل مرة اتذكر تلك الحادثة ازيد لحظات جديدة من الصمت على المدّة الفعلية التي نظر إليّ فيها كل من امي وابي واختي من دون كلام. وحده وجه امي ما زال محفورا في ذاكرتي حتى اليوم، وذلك رغم كون اختي لم تحدّثني منذ ذلك الحين. ملامح أمي لم أتمكّن من نزعها عن وجهها ابدا. كأن كلامي غيّر ملامحها في لحظة، وبقيت هيئتها تلك، الجديدة، مرسومة على وجهها حتى يوم مماتها.

لا انسى ايضا وجه ذاك الولد الذي رآني أصفع والده على وجهه. لن انسى خوفه منّي ونظرته الي مع انني نسيت والده ووجه والده.

لم اكن اعرف انه كان نائما على مقعد السيارة الخلفي حين احضروا السائق لأحقّق معه. لم اعرف ان صراخي ايقظ الولد وانه كان ينظر من نافذة السيارة حين رفعت يدي ووجّهتها بكل قواي الى وجه الرجل. لكنني رأيته، في تلك اللحظة بالذات، كأنه ناداني من دون صوت او كأن نظرته ربتت على كتفي لألتفت الى السيارة المركونة على بعد امتار قليلة عنّي. وانا، منذ ذلك اليوم، اعرف ان في الصفعة اهانة وقلّة احترام. لم أصفع احدا منذ ذلك اليوم. الرجل الذي يجب قتله اقتله، ولكن لا أصفع ابدا.

القتل لا يقلّل من احترام المرء كما قد تفعل صفعة على الوجه. هذا أمر لا يفهمه سوى المقاتلين الذين عاشوا الموقف هذا من جانبيه. القتل أمر عاديّ لا ظلم فيه ولا إهانة.

القتل فيه نظافة النهاية، والموت فيه نبل الغياب ورواقه.

اذكر ايضا وجهي. او انني رسمت لوجهي صورة في ذهني وجعلتها صورتي التي لم تتغيّر منذ ذلك الوقت. كأنني، لمرّة على الأقلّ، رأيت نفسي من الخارج، أو كأنني انتبهت لانعكاس صورتي في مرآة لطالما نظرت اليها من دون انانتبه لشكلي.

كان الليل حارا. اقتحمنا مبنى من اربعة طوابق واشتبكنا مع شبّان كانوا قد جعلوا منه مركزا لهم. تمكّنا من إلقاء القبض على سبعة منهم لا يتعدّى عمر الكبير بينهم الخامسة والعشرين. قيّد رفاقي الشبّان السبعة، وخرجنا بهم واقتدناهم الى منطقتنا.

لا اذكر اين كنت حين قرّر جهاد ان يقتلهم. اذكر فقط انني سمعت صراخا إرتفع ثم سكَتَ فجأة. حين وصلت الى البورة الداخلية حيث كنا نتدرّب أحيانا، أو نسهر أو نحقّق، رأيت رفاقي وقد ذبحوا اول شاب منهم بسكين.

هناك، في حياة المقاتلين الحزبيين، لحظات يصبح القتل فيها أشبه بحاجة جسدية، كالبكاء مثلا او الشعور الملحّ بالحاجة الى التبوّل. ثم ان القتل، حين يصبح مهمّة قيد التنفيذ، لا يعود شيء قادرا على ايقافه. لا شيء في حياة الانسان يتحوّل الى غريزة مثل القتل.

القتل حالة سرعان ما يكتشف المرء انه يتقنه من دون تعلّم، المرء يقتل دائما كأنه يعرف كيف يقتل.

حين وصلت الى تلك الباحة التي نصفّي فيها اعداءنا، كان جهاد قد نحر الشاب الثاني والشباب يتفرّجون عليه ويضحكون. عرفت انهم قرّروا تصفية السبعة الذين اجلسوهم على الارض الواحد قرب الآخر. ليس القتل بحد ذاته هو الذي جعلني، في تلك اللحظة، اشعر بحاجة ملحّة لفعل شيء، بل هو القتل بالسكين، ذاك الذي لم ارتكبه يوما مع انني لطالما فهمت سبب شعوري الدائم بانني يجب ان اجرّبه، هكذا، لمجرّد التجربة.

هي لحظات نعيش حياة كاملة في ظلّ ذكراها. وتلك لحظة لا اعرف اليوم ان كنت فكّرت فيها او ان كنت تصرّفت من دون تفكير. اخذت مسدسي وتوجهت نحو الشبّان. امسكت الشاب الثالث الذي كان جهاد يتحضّر لقتله بسكّينه، واطلقت النار عليه في رأسه. ثم اطلقت رصاصتين على الارض قرب رجليّ، وبدأت بالصراخ على جهاد والباقين. "خلص. خلص. اتركونا ننام الليلة. رجّعوهم الى الغرفة...".

الاربعة الذين لم نقتلهم، اعرف انهم بقوا احياء حتى انتهاء الحرب. ولكنني، اذ جعلت الامر يبدو كأنه مجرّد رغبة في النوم عكّرها صراخ الشباب في حينه، اعرف انني، منذ ذلك اليوم، لم انم نومة كاملة ابدا.

الحادثة هذه أخالها هزّت كل حياتي. ليس قتلي للشاب الثالث الذي يجعل من هذه الحادثة حدثا، بل هو قتلي له في سبيل انقاذ الأربعة الآخرين. أعرف اليوم ان القتل يكون سهلا فقط حين لا يتخلّله اي شعور آخر. دائما افكر ان كنت فعلت خيرا في تلك الليلة ام ان كان ما فعلته شرّا. الشبّان الاربعة الذين انقذتهم من الموت اذكر وجوههم جيدا. وحده الشاب الذي قتلته لا اذكر وجهه ابدا.

افكر بتلك الحادثة دائما وأعرف انني في تلك الليلة اخترت واحدا من الشباب الخمسة وجعلته يموت في سبيل انقاذ حياة رفاقه. افكر انني ربما اخترت الشاب الاكثر طيبة وبراءة، او الاكثر ذكاء او اكثرهم حبا للحياة. اي انني ربما انقذت، من بين الاربعة الذين انقذتهم، واحدا لا يستحق انقاذي له، أو يستحقّه أقل من الذي قتلته.

لا اعرف. ما اعرفه هو انني، لو اردت انقاذ نفسي، كان يجب ان اقتلهم كلهم او ان اترك رفاقي يقتلونهم، ولو بالسكين.

الحروب لا تنتهي بالنسبة لأولئك الذين عرفوها. الحروب لا تنتهي، حتى بعد انتهائها في الشوارع والنشرات الاخبارية والمناطق والبيوت. او ان ما يبقى من الحرب في نفوسنا هو ذاك الاستعداد الدائم والمتواصل الى ان نعود اليها فجأة، للحظات احيانا واحيانا لسنوات.

انا احتفظت بالحرب كلها في نفسي. ارى عاداتها تعود الي كما تعود عادة السباحة لمن ينقطع عنها ولو لسنوات. انا لا انام الا والمسدس تحت وسادتي. لا اترك البيت الا ومعي سكين متعدد الوظائف وضوء كشّاف. حين اسمع صوت المصعد الكهربائي في بيتنا اظلّ الاحقه حتى اعرف في اي طابق سيتوقّف. اعدّ الثواني التي جعلتني العادة اعرف ان احسب المسافة التي يقطعها المصعد خلالها. ثانية، اثنتان، ثلاثة، اربعة... تسعة... اعرف ان هذا زياد، جارنا الذي في الثاني يعود من عمله الليلي في المطبعة.

لديّ شعور دائم بأنني يجب ان أحترس من الجميع، وان اكون جاهزا دوما للدفاع عن نفسي. هي حجّة الحروب كلها والمقاتلين كلهم. الدفاع عن النفس هو اساس كل شعور بالكره او بالعداوة أو بالشجاعة. وانا اكمل حياتي وعندي شعور دائم بأنني سأكون، مرة جديدة، اما قاتلا واما مقتولا.

علّمت زوجتي واولادي الثلاثة على كيفية التصرّف اذا ما دخل احد الى منزلنا فجأة. قلت لها ان تختبئ في زاوية الغرفة وليس في الخزانة كما اقترحت هي. قلت لها انها يجب ان تحمل مسدّسها بسرعة وتختبئ حيث يمكنها ان ترى ما يحصل حولها. اذكر كيف صاروا يضحكون عليّ لشدة ما كنت جدّيا وانا ابحث في البيت عن عواميد صلبة وعن زوايا كاشفة.

لم يأخذوا كلامي على محمل الجدّ. كأن خوفي من سارق قد يدخل الى بيتنا ليسرقه، او من مقاتل يأتي من ماضيّ لينتقم لماضيه، لم يكن خوفا بالنسبة لهم. صاروا يلحقون بي في ارجاء البيت ويلعبون دور الضحية كأنهم يقلّدون ممثلين سينمائيين او يعيدون تمثيل مشاهد من افلام هوليوودية. وحده ابني الكبير الذي ورث منّي حبي للسلاح بدا مهتمّا بما اقول. صار يلحق بي من غرفة الى اخرى كأنه ورث مني ايضا خوفي الدائم من الآخرين.

لم تتأخر زوجتي حتى تعرف انها يجب ان تخاف هي ايضا، ولو فقط من شدة حذري. اكتسبت شعورا بالخوف مني، كأنني نقلت اليها عدوى الخوف والحذر، مع انها لم تفهم يوما مما تخاف او لماذا. أذكر أنها صارت تستيقظ مثلي حين تسمع صوتا في الليل خلف باب شقّتنا. كنت انتبه حين تستيقظ هي، وكنت ارتاح لذلك، حتى انني صرت انام بشكل افضل، كأنني بتّ انام مطمئنا لوجود شخص آخر يسهر مثلي خلال نومه. اذكر حين قالت لي انه ابن الجيران على الارجح يعود من سهرته، واذكر انني نمت بعدها وفيّ شعور ملحّ بأنني، للمرة الاولى منذ سنوات، لم اعد وحيدا في خوفي ولا وحيدا في حياتي.

لا اعرف لماذا لم اتمكّن يوما من الضحك. او انني كنت من هؤلاء الناس الذين لا تعرف ملامحهم ان تبدو مبتسمة ضاحكة. اعرف فقط ان ملامحي تلك التي لا تبتسم جعلت مني مقاتلا افضل. كان الناس يخافون مني، حتى اصحابي الذين عشت معهم في مبنى واحد او غرفة واحدة لسنوات. لم اكن الاكثر شراسة من بين زملائي المقاتلين، ولم اكن اكثرهم شجاعة او تهورا في القتل، الا انني كنت ابدو هكذا دائما.

اذكر كيف كانت امي تقول لي ان اضحك. كانت تمسك بوجنتيّ وتشدّهما الى الوراء كأنها ترسم بيديها ما لم يرسمه وجهي خلال تكوّنه في داخلها. إِبتسم، كانت تقول لي، وحين تنتبه الى انني اضحك من دون ان يبدو علي ذلك، كانت تضحك بدورها وتتركني ضاحكا من دون ابتسامة.

صرت مقاتلا افضل بسبب ملامحي التي لا يبدو عليها الضحك، كأن تشوها جسديا جعلني ابرع في عملي اكثر وبجهد اقلّ. كأنني كنت قزما يستطيع ان يمشي حيث يضطرّ الآخرون الى ان يزحفوا مقرفصين. وانا بقيت هذا الرجل الذي لا يضحك حتى بعد زواجي. هي زوجتي التي علّمتني ان الضحك يجب ان يرافقه انفراج في الملامح. بدأت اقلّد ضحكات الآخرين ممازحا في البداية، ومبالغا بتقليدها، حتى رأيت نفسي اضحك مرة، مبتسما ابتسامة عرفت انها هي ابتسامتي.

الملل كان اكثر ما أزعجني بعد ان انتهت الحرب وصرت، كما كثيرون غيري، مقاتلا عاطلا عن العمل. اذكر كم كان يستفزّني كلام الناس عن بشاعة الحروب واحتفالهم بانتهائها. صارت تنتابني رغبات بالقتل، ليس لانني احب قتل الناس بل لأن لا شيء آخر ابرع فيه. صرت كرياضيّ كهل فقد القدرة على الركض ولم يفقد الرغبة بذلك، كمنفيّ عاد الى بلده وبقي منفيا رغم ذلك. ثم انني شعرت ان الحرب كانت مزحة بالنسبة لمن كانوا اكبر منّا. او أنها كانت لعبتهم التي لم نكن نحن المقاتلين نراها لعبة. اشعرني ذلك بأنني مجرم ولست مقاتلا. أذكر اليوم الذي عرفت فيه ان القضيّة ليست سوى وهم السياسة والسياسيين، هي كذبة السلطة وهي شجاعة المقاتلين.

عرفت ان السياسة تتقلّب وتتغيّر موازينها وتحالفاتها بسرعة تجعلها اقرب الى الكذبة منها الى الحقيقة.

اذكر اليوم الذي عرفت فيه ان عدوّي لطالما كان يخال انه يدافع عن نفسه منّي، تماما كما كنت انا اخال انني ادافع، منه، عن نفسي.

حين عرفت ذلك شعرت بأننا نتقاتل للسبب نفسه وللقضية نفسها ولكن الواحد ضد الآخر. الناس يختلفون على الشيء الواحد أو حوله، بسبب اختلاف نظرتهم لهذا الشيء او توقعاتهم منه. ولو اراد كل طرف منهم شيئا مختلفا عن الآخر لما اختلفوا. كما يختلف شابان مثلا في محل لبيع الاحذية على الحذاء نفسه، فيحاول كل منهما ان يثبت انه احقّ بشرائه، والحقيقة انه لو اراد كل منهما حذاء غير الآخر، لما اختلفوا ابدا.

عرفت ان الحروب هي انقسام الجيش الواحد الى جيشين، والشعب الواحد الى شعبين. الحرب هي دائما دفاع عن النفس بمواجهة دفاع آخر عن النفس.

اذكر وجه ابو زياد ايضا. أذكر حين اتصّل بي رمزي مرة ليقول لي انهم احضروه الى المركز فذهبت لرؤيته. كانوا قد ضربوه بالعصيّ وبأعقاب المسدّسات حين وصلت الى غرفة التحقيق التي أذكر انهم كانوا قد وضعوا ضوءا جديدا فيها فبدت جدرانها عتيقة وسخة.

كان أبو زياد خائفا واذكر انه كان مغمضا عينيه. صرت افكّر انه على الأرجح اغمض عينيه قبل ان يتوقفوا هم عن ضربه. كأنه، وان صار يتحمّل الألم لشدة ما ضربوه، لم يعد يحتمل ان يرى ضرباتهم تلك وهي تنهال على ظهره ووجهه. عرف انه لن يستطيع ان يحمي جسدَہ من الضرب، فحاول ان يحمي نظره وذاكرته ومخيلته من مشهد الشباب وهم يضربونه.

اذكر كيف لم اصدّق حين دخلت الى الغرفة ان هذا ابو زياد نفسه الذي اعرفه. لم اعرفه. ليس فقط لأنه كان مغمضا عينيه حين رأيته، مانعا ايّاي من ان ارى وجهه كله، مع نظرته، بل لانه كان ضعيفا وخائفا وخاليا من كل المشهد الذي رسّخه خلال سنوات الحرب والقتال في مخيلاتنا جميعا.

كان خائفا وصار يبكي كالطفل حين عاد اليه رمزي رافعا يده مهدّدا ايّاه بمعاودة الضرب. صرت اتذكر ابو زياد ماشيا في ساحة الضيعة كالناظر بين صفوف التلاميذ في المدرسة. صرت استعيد مشاهد له ملقيا التحية على الناس كأنه يخيفهم فقط من عدم ردّ التحية عليه. رحت افكر بمسدّسه، ذاك الذي كان اكبر من مسدساتنا وأقدم، وبالاخبار التي كنّا نسمعها عنه في المعارك قبل ان ندخل نحن اليها.

تذكرت كيف كان يهابه الناس لشدة ما كان يعمل على ابقاء وهرته وتغذيتها. كان يضرب احد شباب الضيعة احيانا ليبقي على وهرته تلك في اذهان الآخرين، كما يحافظ الرياضي على عضلاته في الاوقات التي لا يمارس فيها الرياضة. وقفت انظر اليه يبكي كالطفل. وعرفت في تلك اللحظة انه لم يبد كالطفل فقط، بل انه عاد ليصبح طفلا فعلا، يخاف كالطفل ويبكي كالطفل ايضا.

كان ابو زياد مغمضا عينيه وموجِّها وجهه، رغم ذلك، الى الارض. عرفت انه عاد ليصبح طفلا، حتى انني صرت اقول لنفسي انهم اذا قتلوه الآن يكونون قتلوا طفلاً. فهو لم يكن يقلّد الاطفال ليحثّ الشباب على ان يشفقوا عليه، بل انه في تلك اللحظة، لم يكن يملك من كل حياته سوى ذلك الخوف، الخوف الأوّل الذي عرفه في صغره.

لم اقل شيئا. خرجت من الغرفة كما دخلت اليها، محتفظا بصورة جديدة لوجه ابو زياد، وجه تحمل ملامحه تعابير الرجال والاطفال في وقت واحد.

انا لا اترك للرجل الذي اريد قتله فرصة ان يعيده خوفه منّي الى طفولته. حين احمل مسدسي واوجّهه الى رأسه او صدره اعرف انني سأقتله الآن. لا اتركه يتحدّث لأنه اذا ما حاول ان يقول لي اي شيء، سأدخل معه في دوّامة اللياقات الانسانية، ودوّامة الافكار والذكريات والمشاعر التي تأخذني الى اماكن اعرف انني لا يجب ان أذهب اليها.

الرجل الذي يجب ان اقتله لا دخل لي بحياته وبأخبارها وتفاصيلها. "ما لنا وما للعالم" اقول في نفسي، وأقتله قبل ان يتفوّہ بأيّة كلمة. وأنا، حين قتلت أبو زياد بعدها ببضعة أشهر، لم أتركه يقول شيئا. أذكر أنني لم احتمل رؤيته يعود كما كان قبل ان يضربه الشباب، قاسيا وعنيفا ومغترا بعنفه وقسوته. وهو تجنّبني حين رآني لأنه يعرف انني رأيته حين كان خائفا وباكيا كالطفل. تجنّبني كأنه يجنّبني قسوته، وصار يضرب واحدا من الشباب أمام والدته بوحشية لم اتمكن من احتمالها. اقتربت منه وأطلقت عليه رصاصة واحدة، ثم أدرت وجهي ومشيت من دون ان انظر اليه، كأنني خشيت ان يعيده موته الى طفولته، كما فعل الخوف مرة فأبداه غير أهل بالموت.

لا اذكر وجوه هؤلاء الشباب الذين قتلتهم. وأنا لا انسى وجه ذاك الرجل الذي حملني حين اصبت بطلق ناري ووقعت ارضا في احد شوارع المصيطبة. اذكر انه بدا لي وجها جاء من خارج الحرب. كأنني أُصبت في معركة ووقعت على رصيف بيروت ما قبل الحرب، او ما بعدها. نظرت اليه حين اعطيته جسدي ليحمله مرخيا كل اطرافه واعصابه وعضلاته. استسلمت له من شدة ما بدا وجهه أليفا وقريبا. لم اكن اعرف ان الناس، هؤلاء الذين لا يقاتلون مثلنا، لا يزالون يحتفظون في داخلهم بمشاعر الطيبة والخير التي تنزعها الحرب منّا نحن المقاتلين.

عرفت يومها ان الحياة على ضفاف الحروب والمعارك تمشي على ايقاع الناس العاديين، الذين يخضعون لحربنا من دون ان تغيّرهم حربنا تلك.

علّمتني الحرب ان اشكّ بكل رجل مهما بدا لي غير مثير للشك. الحذر جعل مني رجلا قاسيا ووحيدا وحزينا. وانا، رغم كل تلك السنوات التي مرّت على انتهاء الحرب، وهي سنوات تمكّنت خلالها ان اصبح رجلا عاديا، مدنيا، اشعر في قرارة نفسي انني سأموت من رصاصة ساخنة ستدخل جسدي بسرعة.

لا اتصور موتي الا بهذه الطريقة. جسدي بات كأنه مستعدّ لتلقّي هذه الرصاصة منذ سنوات. حتى انني اخال نفسي احيانا انتظر هذه اللحظة بترقّب، كما ينتظر المرء امرا يعرف انه آت اليه. والميتة هذه هي الوحيدة التي كنت اجدها منطقية. ليس لانني كنت احب ان اموت اثر اصابة بطلق ناري، بل لانني، لشدة ما انتظرت تلك اللحظة وتوقعتها، الفتها، وبتّ أشعر بها كما يشعر من قُطعت رجله برغبة حكّها أحيانا.

الرجل الذي يعمل على سقالات المباني الحديدية، متسلّقا اياها من دون حبل ليبني فوقها سطحا جديداً وجدران، اخاله يشعر بانه سيموت اثر سقطة عنها. أخاله، اذا ما وقع عنها يوما، سيقول لنفسه قبل ان يصل ليرتطم بالارض: "هذه هي الوقعة، لقد وقعتها". كأن الوقعة تلك التي لطالما حاول ان يتجنّبها بات يعرفها، فيتحدّث عنها كأنه كان بانتظارها دائما.

موتنا يأخذ من حياتنا مكانا له، ويأخذ من عاداتنا افكارا وسبلا ليصل عبرها الينا. هناك اشخاص يعيشون حياة لا تساعد الموت على ايجاد سبل لدخولها، فيموتون من العمر او من المرض، وهناك اشخاص مثلنا، يعيشون حياتهم على مقربة من الموت، كأنهم بذلك يختارون موتهم، وان امضوا حياتهم يهربون منه.

انا لطالما اعتقدت انني ساموت خلال احدى المعارك التي شاركت فيها، ليس لانني اردت الموت حينها، بل لأن الجندي الذي لا يفكر انه قد يموت في اية لحظة لا يمكنه ان يكون مقاتلا. وانا الآن اشعر بان الفسحة التي يقطنها موتي اختفت مع الحرب التي انتهت منذ سنوات باتت طويلة، اشعر احيانا بأنني اعيش حياة ليست لي، حياة لا وجود لموتي فيها.

حين تزوجت بعد انتهاء الحرب، وصار لي بيت واقارب واصحاب، صرت كانني اعيش حياة شخص آخر. اذكر انني استمتعت بذلك لعدة اشهر، كما كنت استمتع خلال الحرب حين ادخل الى بيت فارغ من اهله لوحدي، وابدأ باستكشافه كانني اعيد تركيب حياة اهله الذين هجروه من حاجاتهم وصورهم واغراضهم. البيوت التي يتركها اصحابها على عجل هاربين من القصف ومن اشتداد المعارك في احيائهم تبدو ساكنة حين ادخل اليها، وأنا أشعر فيها كانني أقيم في حياة غير حياتي، لبضع ساعات فقط، في حياة لا قتال فيها ولا معارك ولا حروب.

اذكر مرة أنني خلعت باب احدى الشقق في منطقة عين المريسة، ودخلت اليها حاملا سلاحي وصرت ابحث في غرفها لأرى ان كان لا يزال فيها احد. كانت الشقة فارغة من اهلها ومن مقاتلين كان يمكن ان يدخلوا اليها قبلي. وضعت طاولة خلف الباب الذي كنت قد كسرت قفله، وصرت استكشف الشقة وافتح جواريرها وآكل من طعام كان قد وُضع على الطاولة في المطبخ قبل أقلّ من ساعة، اي قبل المعركة التي أوصلتنا الى هناك. اذكر انني نسيت الحرب والمعارك لشدة ما شعرت بانني في مكان ليس للقتال. كأنني لو اصبت خلال تواجدي في تلك الشقة اكون كمدني اصيب بالخطأ.

حتى انني أذكر كيف استلقيت على سرير في احدى غرف المنزل كأنني غير خائف من شيء. أذكر ايضا انني لم اتمكّن من ان اغفو وانام. حين تزوجت وصار لي بيت واصدقاء واقارب، شعرت بالراحة نفسها التي كنت اشعر بها حين ادخل الى تلك البيوت والشقق. الا ان شعوري هذا لم يطل، فالاشياء أجمل حين تكون للآخرين، والمشاعر اقوى حين تكون مسروقة.

لم اعتد يوما على حياتي الجديدة، تلك التي بدأتها من البداية، فدخلت الجامعة وتعلمت مهنة التصوير التلفزيوني. او انني اعتدت الآن على حياتي هذه التي باتت أطول من حياتي كمقاتل منذ سنوات، ولكنني لا اشعر فعلا انها لي.

اذكر كيف كنت اتوق لعودة الحرب الى الشوارع، لأكون مرة جديدة مقاتلا فيها فيعيد جسدي عاداته اليه، واعود انا لأفعل ما أعرف أن أفعله.

حين رُزقت بولدي الاول، اردت ان تكون له شخصية قوية منيعة. اردته ان يكون قاسيا، منذ لحظة ولادته، كأنني لم اكن اعرف ان الطفولة هي عكس القسوة ونقيض القوة والخبرة. اذكر انني وقفت خلف زجاج غرفة المولودين الجدد في المستشفى وصرت انظر الى ابني النائم في سريره الضيّق بخوف. كانت تلك المرة الاولى التي انتبه فيها الى ضعف كان فيّ ولم اكن اعرفه. أسمّيه ضعفا وأنا أعرف اليوم انه شيء آخر غير الضعف ذاك الذي شعرت به حين رأيت ابني للمرة الاولى. هو شعور لا يمكنني سوى أن أراه كنقيض للموت الذي كنت أعرفه وأستسهله. رأيت في وجه ابني كل ركاكتي وضعفي، كأنني تعلّمت منه ان اكون ضعيفا بدل ان اعلّمه انا كيف يكون قويا أو قبل أن اورثه قوتي. أعرف اليوم انني لو لم اكن اخجل من البكاء لبكيت امام سرير ابني في ذلك اليوم. حين كبر ابني وصار في عمر اللعب والسؤال والكلام، اردته ان يكتشف الشجاعة والقوة اللتين أملت انه يحملهما في داخله. كما الغزال الذي يولد في غابات افريقيا ويحاول لحظة خروجه من رحم امه ان يقف على قوائمه الطرية، اردته ان يكون متنبّها وخائفا ومستعدا. ما يتعلّمه الغزال بالغريزة، وهو ان يستعدّ منذ لحظة ولادته ليهرب من حيوان مفترس قد ينقضّ عليه فجأة، اردت انا ان اعلّمه لابني بالتربية. صرت ادفعه ليدافع عن نفسه كما يدفع المرء ابنه لينزل الى الماء. في مرة كان يلعب في الصالون مع ابن جيراننا الذي يكبره سنا ويفوقه حجما وضخامة. كنت جالسا اراقبه من غرفة محاذية. اخذ ابن الجيران منه لعبته بالقوة ودفعه الى الارض فصار يبكي. ارادت زوجتي ان تذهب اليه حين سمعتْ صوته، فقلت لها بحركة من يدي ان تبقى في مكانها وان تنظر في اتجاه آخر.

نظر الينا ابني ورآنا لا ننظر اليه. اعرف انه شعر بالوحدة وبالظلم في تلك اللحظة، لانه رأى نفسه يُسلب حقه، ورأى اننا نحن اهله الذين نحميه لم ننتبه كأننا لا نكترث. ركض نحونا باكيا وقال لي ان طارق اخذ منه لعبته. قلت له بشيء من اللامبالاة ان يذهب ويأخذها من طارق. تردّد ابني للحظة وخاف، ثم طلب مني مجددا ان اساعده، وقلت له مرة جديدة انه اذا كان يريد اللعبة التي أُخذت منه فليأخذها بنفسه. "ضربني" قال، "اضربه أنت" قلت. وادرت وجهي عنه، كأنني خرجت من غرفة وتركته وحده فيها.

اذكر كيف ذهب الى الصالون حيث كان طارق وضربه على وجهه ضربة واحدة، واخذ منه اللعبة وتركه من دونها باكيا. أراني احيانا اتحدّث عن القتل بسهولة وبساطة تفاجئ الآخرين أو تجعلهم يشعرون تجاهي بشيء من القرف أو الكره أو الامتعاض. اراقبهم كيف يكرهونني، هؤلاء الذين احدّثهم احيانا عن ماضيّ. وانا اروي للناس ما عشته لأنه ماضيّ الذي لا املك غيره أولا، ولانني لا احب ان اجعل من حياتي تلك سرّا احرسه دائما. أراهم ينظرون اليّ نظرة اشمئزاز وحقد كأنهم يحمّلوني، انا والذين قاتلوا مثلي وقتلوا، مسؤولية الحرب وكل تبعاتها حتى يومنا هذا.

هؤلاء لا يعرفون شيئا، وهم لا يعرفون ان القتل ليس سوى تفصيل، تماما كما هو الموت الطبيعي تفصيل حين ننظر الى الحياة نظرتنا الشاملة اليها. هم لا يعرفون ان ضحايا الحروب ليسوا فقط هم الذين يموتون فيها، لا يعرفون انني فقدت حياتي في الحرب واضطررت، رغم ذلك، أن أستمرّ في عيشها.

حين يموت المرء لا يعود موجودا، وهو بهذا المعنى لا يحزن على نفسه كما يحزن الآخرون عليه، ولا يحمل معه غضبا ولا حقدا ولا رغبة دائمة بالانتقام. الموت امر طبيعي والقتل نوع من انواع الموت.

الطبيعة تقتل ناسها كل يوم وبطرق مختلفة وببشاعة متفاوتة. وانا اعتقد انني، حين قتلت، كنت جزءا من هذه الطبيعة، التي خُلقت منها وفيها، والتي صَنعتْ لي حياة أخذتني من تلقاء نفسها الى القتال في شوارع بيروت وبيوتها.

انا أفعل ما تفعله الطبيعة حين أقتل. أكون طرفا من اطرافها تماما كما اكون جزءا منها أيضا حين اتزوج أو حين انجب اولادا أو حين أمرض وحين اصحّ.

وانا اعرف ان القتل يصبح سهلا بعد ان يرتكبه المرء مرة بعد مرة، تماما كما يصبح التعرّض لتيّار الكهرباء اسهل بالنسبة للعاملين في الكهرباء، هؤلاء الذين يتعرّضون له مرات عدة فيعتادون على مرور التيّار في اجسادهم في طريقه الغريزي ليصل، في النهاية، الى الارض.

الانسان يعتاد على كل شيء، والقتل كالأشياء الاخرى يصبح اسهل بعد اعتيادنا عليه. وانا اذكر المرة الاولى التي قتلت فيها رجلا. اذكر الخوف الذي تملّكني، والذي كان يُشبه المرض اكثر مما يشبه الخوف. اذكر أنني شعرت برغبة في التبوّل لم تزُل رغم دخولي مرارا الى الحمّام. أذكر ذاك الالم القوي في خصيتيّ، ألمٌ لم اشعر به قبلها. وأنا ما زلت حتى اليوم لا اعرف لماذا تألّمت في تلك المنطقة بالذات، ولا اعرف لماذا تنمّل جسمي كله وباتت حركاتي مرتبكة كأنها حركات شخص غيري أو كأنها تجري في جسد غير جسدي.

المرء، حين يقتل للمرة الاولى، كأنه يستعير مشاعر وأفعال شخص غيره حتى يتمكن من ارتكاب ما يرتكبه. أذكر كيف وقع الرجل امامي، وكيف اطلقت عليه رصاصة اخرى قبل ان ابدأ بالركض هاربا مما كنت مصرّا على فعله منذ ايام.

وانا اليوم، لا ازال هاربا من تلك المرة الاولى التي قتلت فيها ذاك الرجل. فأنا بقيت لسنوات أفكّر بأنه لم يمت. او انني صرت اقنع نفسي بانني لم اقتله، كوني رأيته يقع ارضا ولم انتظر المدة الكافية ليبدأ هو بالصراخ أو بالنداء لمن يساعده أو ان ينهض عن الارض متألّما.

احتفظت في نفسي بشيء من الشك حول موته، كأنني رفضت فكرة القتل الذي بات سهلا علي ارتكابه بعد تلك المرة الاولى. صرت ابكي بعد ان ابتعدت عن المكان الذي أسقطته فيه، كأنني كنت اعرف ان ما فعلته ليس سوى بداية لما سيأتي بعده. كأنني عرفت انني في تلك اللحظة اصبحت من الناس الذين قتلوا، والذين سيقتلون. بسرعة ينتبه القاتل الى سهولة القتل وسرعته، وينتبه الى ملامح المقتول التي تستسلم من دون غضب او حقد او قسوة.

يموت المرء دائما كأنه يعرف كيف يموت.

لا اعرف ان كان لا يزال بامكاني ان اقتل. الاسلحة الكثيرة التي احتفظ بها في بيتي أشعر بها وقد باتت غير مؤذية. أيام الآحاد، التي احاول دائما ان اقضيها في قريتي، أطلق بضع رصاصات تتحوّل أحيانا الى بضع جولات من الرصاص على احجار وزجاجات كأنني أذكّر نفسي بأنني لست سوى رجل احتفظ من ماضيه بحب حقيقي للسلاح. لا اعرف ان كان لا يزال بامكاني ان اقتل. وأنا لم اعد اعرف فعلا ان كان هناك شيء يستحقّ ان نقتل لأجله. اذكر تلك المعركة التي اجتاحت شوارع بيروت منذ سنوات قليلة. كنت قد انقطعت عن القتال والمعارك منذ عقدين تقريبا، وبتّ مدنيا يكتفي بحضور بعض الاجتماعات الحزبية.

نزلت الى الشارع، رغم كوننا لم نتلق أمرا بالمشاركة في تلك المعركة. كنت قد وضعت معظم اسلحتي في صندوق السيارة في ذلك اليوم، وكنت احمل مسدسا في يدي وعلى كتفي رشّاشا مع ذخيرتهما. كنت كمن استعاد عادات قديمة من دون ان يفكّر فيها او يتقصّد استعادته لها.

حين نزلت الى الشارع كنت رجلا عاديا بثياب مقاتل قديم وبعتاده.

في تلك المنطقة التي كان يمرّ عبرها خطّ التماس، وجدت شبانا من الحزب يتحضّرون للقتال. كانت أجسادهم تعجّ بحماسة الشباب وبعتاد حرب سابقة لم يعرفوها. حماستهم تلك ذكّرتني بحماستي حين كنت مثلهم. قلنا لهم ان لا امر بدخول المعركة، الا اننا لم نتمكن فعلا من تهدئتهم.

"لن نتركهم يدخلون الى منطقتنا" قال لي الشاب ذو السنوات السبعة عشر، كأنه بذلك يقول لي ان احترامه لي كمقاتل سابق في الحزب واعجابه لا يكفيان في ظل الظروف الراهنة ليسمع منّي ما اقوله. أحسبه اراد ان يُشعرني بأنني خائف، وأنه غير خائف. أراد ان يبدو أكثر شجاعة مني وأكثر حماسة أمام الشباب الذين بدوا واقفين الى جانبه، مستعدين مثله للقتال وراغبين فيه.

لم نستطع نحن المقاتلين الاكبر سنا ايقاف الشباب الصغار. وحين اقترب المقاتلون الآخرون من حيّنا، وبدأت الاشتباكات بينهم وبين شبان حزبنا، وجدت نفسي غير قادر على القتال أو غير راغب به. كما انني شعرت بأن خبرتي في الحروب والمعارك باتت عتيقة، فأنا لم اعرف، حين اخذت سيارتي واردت الخروج من المنطقة مسرعا، الى اين اذهب. صرت اتذكر كيف كانت المناطق والشوارع والأحياء مقسّمة في مخيلتي بين حيّ صديق وحيّ عدو، وكيف بتّ اليوم لا اعرف ايّ شارع أسلك ولا الى اين اذهب للخروج من مكان المعركة.

تركت المعركة من دون ان اطلق اية رصاصة. تركت الشباب وهم يطلقون الرصاص بكثير من التهوّر والمبالغة، كأنهم يلعبون بالسلاح لمجرد كونهم وجدوا حجة حقيقية لاستخدامه.

انتقلت في ذلك اليوم الى قريتي مع زوجتي واولادي، وقررت البقاء هناك حتى تهدأ الاحوال في بيروت. بقينا اياما هناك، في بيتنا الذي لا اشعر الا فيه بالاطمئنان التام. هناك، في بيتنا القروي، انام من دون مسدّس تحت وسادتي. هناك، في بيتنا الحجري القديم الذي بناه جدي وماتت فيه امي لا اغلق الباب ولا انصت الى اصوات الليل خائفا من احد قد يأتي ليؤذيني او يؤذي اولادي. وانا كنت اعرف انني، ان كان لا يزال بامكاني ان اطلق النار على احد، فللدفاع فقط عن ذلك البيت وعن تلك القرية، التي لا املك شيئا غير انتمائي لها في الحقيقة.

عرفت في ذلك اليوم الذي تركت فيه المعركة من دون ان اتدخّل بها انني لم اعد مقاتلا. ليس لأنّي نسيت ما اعرفه عن عالم القتال والحروب، ولا لأنني فقدت رغبتي بان ادافع بالسلاح عن مبادئي أو عن افكاري أو عن اولادي، بل لأن الشباب هؤلاء الذين يملكون حماسة شبابي الطائشة، باتوا هم المقاتلين الحقيقيين.

عرفت انني لم اعد مقاتلا، وانني يجب ان اترك الشباب هؤلاء يلعبون دورهم كما يريدون، لأنني لا استطيع حتى ان اوقفهم.

انتهت كل حربي في ذلك اليوم من دون ربح ولا خسارة. انتهت حربي وبتّ انا مقاتلا بلا حرب. المسدّس البَكَر الذي كنت احمله في سنوات الحرب الاهلية على خصري مفضّلا ايّاه على المسدسات الاوتوماتيكية بات اليوم مجرد مسدس يطلق رصاصاته على الزجاجات الفارغة والحجارة في سهل قريتي الساكنة.

أكثر من عشرين سنة مضت على حياتي كمقاتل. هي سنوات قضيتها افكّر بحياتي وبماضيّ وبما فعلته في تلك السنوات. وأنا، وان كنت غير نادم على شيء فعلته، أعرف أنني بتّ أرى حياتي كمقاتل وأرويها بلغة ليست للمقاتلين.