روجيه عوطة


11-13-Roger-Outa.html

حين تلتقي مخبولاً، دعه ينظر في عينيك، انظر فيهما. يُنسيك وجهك، وتنساه. فكلما تمسكت به، قضى عليك، والوجع نزل في جسمك كعمود مكهرب، تدور ”أناك“ داخله وحوله. تخلص منها سريعاً، فهي مجرد عادة من العادات، افتحها، اسمح للصوت، الذي تسمعه، أن يشقها، بنبرته الغامضة، الخشنة، والحادة.

لا تبتعد. تقدم. اذهب نحوه، وعلى طريقه. هذا اللقاء نادر، ولحظاته قليلة. إن دخلته، أدركت أنك مُركَّب من مفاصل كثيرة، لا تمر عبرها سوى نهايتك، التي تدعوها ”استقامة“ أو ”استواء“، لأنها تعترف بك.

الاعتراف، التعارف، التعرف، المعرفة، وطبعاً، الإرتفاع... تخلَّ عن كل ذلك وما يلحقه من اجتماع، سلوك، وكلام. لا تتجمد في مكانك، لا تقع. إمشِ، إمشِ في حب المخبول، واقتلع المزروع والمدفون والملقى فيك، انتزع داخلك، واخرج من دون أن تعود. على الرائح أن يقترب من الرائح، كي يصيرا هواءً طلقاً في نزهةٍ، لا سبيل إلى الرجوع منها.

هذا اللقاء مع المخبول يطرد العودة إلى السابق عليه. ينحّيها بعد أن يثبّتها. تحسس جسمك، اشعر بوصلاته، أنابيبه، أعضائه الناتئة، والأخرى الغائرة. اقلبه كأنك تهم بارتداء ثوبك بالمقلوب، أزراره وقُماشه المنبسط إلى الداخل، وخيوطه ودرزته وقطبته إلى الخارج. بات مجموعك الجسمي بائناً، وعندما يتحرك المخبول أمامه، تتوتر أعضاؤك، وصدؤها يهتز. أنت تضطرب، يحتلك شعور مضر، تبدو كأنك مهدد في غفلة منك. ضاق جلدك بك، لا ترتعب، ثبت كل شعور مؤذ فوقه، ثم، انفضه، واجعله منشرحاً، لا يخفي أي شيء على الإطلاق.

أنتَ موجود الآن على وضوح، لا تستر ولا تضمر، ولا تحتفظ بالأسرار، فما عدت بئراً عميقةً، لتُرمى تلك النفايات فيك. أكِّد الرديء في مجراك، واقذفه بعيداً، أو اتركه يتحلل. فالعائد يحضر، لا ليرجع، بل كي يعيق، وحين تثبته، ينتهي، خصوصاً أن لا سر لديك كي يُقبض عليه، ولا تعلية قولية كي يسكنها. لا تظن عند حضور العائد أنك عدت، كلما ذهبت أكثر، صار مرورك في مكان ما من جديد كأنه إنزال. انزل على السطح، لا تصعد.

لا داعي للكلام مع المخبول، ولا مع أحد. الكلام لا يمحِّط الإحساس المضر، يزيده قذارة. مع المخبول تلتقي بدون أن تتعرف عليه كمعلوم أو نكرة. تصطدم به، تفزعك حركته القاسية، فترتطم بذاتك، وبتجمدك. لا تفكر بالمشفى، وأنت تعيش في شكل آخر منه، لا تتذكر العلاج، وأنت تهجس في الشفاء باستمرار، ولا تتحدث عن التداعي الذهني، عن الإفصاح المجاني، وأنت تتعامل مع الغير كأنه مقعد للبوح بأخطائك، وهو يتصرف معك كأريكة، يكشف مفاسده عليها.

احذر التصلب بعد الصدمة. المخبول لن يتراجع، وما عليك أن تحفر حضناً فيك، وتنغلق داخله. تسلل إلى الوسط. قبله، حقل ملغوم، بعده، شرك أو وسواس. امحِ الخلف، ولا تترقب البعد، مرر مشاعرك المجدية بينك وبينه، بدون أن تبالي بها غائياً. انسَ الأهداف، لا تهتم ببلوغها، ابنِ الطرق، مستطيلة أو منحرفة. المهم، أن تبارحها عند استنفادها، المهم، أن لا يدركك عليها أحد. حريتك أن تشبه أناسا لا تعرفهم، وحريتك أن تستبدل أوجه الشبه بأقنعة التباين، وبصمات التطابق بمماحي التعارض. لا تنزعج من التناقضات، لكن، اقضِ على الثنائيات. انسَ. لا تفقد الذاكرة، هي مصنوعة للتخطي، وليس للاستعادة.

لا تتحدد حركة المخبول، حركة القاعد والرائح في الوقت نفسه. تفحصك، وتقيس مدى كمون السلطة في جهازك العصبي، ومدى تعلقك بالمسكنات، بالمؤسسات، بالصيدلية، بوصفة الطبيب، بالكهنة، بالدولة. مع المخبول، ارصد انكماش الأخيرة وانبساطها في أعضائك، فتُستأصل. وبالفعل ذاته، تنبه إلى كاهن الصحة وانشراحه في حركاته، فتبتعد عنه. لا تستسلم لجسم السلطة، امنعها من العبور عبرك، حتى لو داهمتك فجأةً. اذهب في لقائك. لا تعقد لسانك على يقين، ولن يعقد لسانه على ثقة، ففي حال جرى ذلك، ادرك أن وقوعكما قد تم، ومر المتعالي من فوقك ومن تحته، أو العكس.

ما إن يحدث اللقاء حتى تفترقا. هذا شرط من شروطه. كل واحد منكما في سبيله، وكل واحد منكما على سبيل الآخر، حيث يتعرض لعلامات قاسية، تضربه في رأسه. هنا، لا مناص من ”سياسة الخبل“، من تلقي جميع الإشارات، والتشييد بها وفيها، لدرجة أنك، لاحقاً، ستقتحمها بنفسك، تبحث عنها في كل مكان، بين الآخرين، الذين، على غفلة منك، تدرك أنهم أيضاً مجموعة علامات منشطرة، متغايرة، بحسب سياقاتها. تلقَّ، رحب بكل إشارة، لا تأخذها على محمل الجد أو غيره، لا تأخذها، جمّعها في الخارج، بعد وقت قليل، ستتدخل في علاقاتها، بعد أن تدخلت في الأحاسيس، التي أنتجتها فيك. المؤذي أبعده، المجدي اتركه، أوصله بآخرَ. وأنت تقوم بذلك، تذكر أن الإبعاد كالابتعاد، والتوصيل كالفصل، من ناحية الألم الظاهر في جسمك. على إثره، امشِ، توقف إن رغبت، امرح، اضحك كثيراً، وإذا اعتراك كسل، تلقن منه تمريناً بتوتير سلطة العمل. لديك، جهاز تكاسلي، لا تهمله، استعمله على طريقتك، دون أن تقرظ أو تذم الألم، إنه ختم انسلاخك، واسمك، عندما تقرأه فعلاً على سجيتك. جرب أن يصير ألمك ”وجهة نظر“.

لا تكترث للتثنية بعد أن تخطيت الأحادي. تكاثر إن شئت، لكن، خذ بعين التسييس أن يصير فعلك مصنوعاً في سياقه، أن يخرج منك كي تخرج إليه وعبره. على هذا المنوال، لا تحتاج إلى اخفاء أي موضوع أو شأن، واضح على طريقٍ، سرعان ما تضحي صفته، أكان معلوماً أو مجهولاً، بدون قيمة. أنت تمد طريقك على الطريق، تتدرب على قدرتك: أن لا يدركك أحد، ليس لأنك متكتم، أن لا يقبض عليك أحد، ليس لأنك منعزل، أن لا يكذبك أحد، ليس لأنك صادق، بل لأنك تعطل نظم وعلاقات الإدراك والقبض، لأنك لا تُصنف، لأنك المخبول ولست هو على حد سواء. فلكي تستحيل فاطناً، لا بد لك من الخبل.