حازم صاغيّة


في عهد الشباب المبكر لم يكن هناك لوتو. كان اليانصيب وحده ما نعرفه أوراقاً ملوّنة تباع في شوارعنا، لكنّني كنت واحداً من أولئك الكثيرين الذين يجهرون بكرههم اليانصيب. أمّا نعته بـ ”الوطنيّ“ فبدا لنا، نحن الذين يكرهونه، برهاناً آخر على فقر الوطنيّة اللبنانيّة وخوائها وعلى طواعيّتها لكلّ استخدام وضيع. ذاك أنّ الأرزة وقلعة بعلبك وسواهما من رموز توصف بالقداسة إنّما تُسلّع على الطرقات بما يؤكّد قولنا إنّ البورجوازيّة لا تفهم الوطنيّة إلاّ كسباً وغنماً. وكنت حينذاك أردّد، في هجاء اليانصيب، حججاً لا أذكرها اليوم بالتفصيل، لكنّها تشبه القول إنّه يضع الصدفة محلّ القانون، كما يُحلّ الوهم محلّ الواقع، جاعلاً مَن يتعاطاه يتشاطر بالخلاص الفرديّ على قوانين التاريخ الصارمة التي أُلمّ بها إلمام الخبراء المحلّفين. وربّما كنت أقول أيضاً إنّ اليانصيب مشاركة في نهب فائض القيمة الاجتماعيّ، والمنهوبون بالطبع الكادحون.

وقد يكون في هذه الأحكام بعض الصحّة إلاّ أنّها على العموم ثقيلة الدم، عديمة الانتباه إلى سيكولوجيا الأفراد وإلى رغباتهم الملتوية والمداورة.

وأشدّ ما كان يفوت تحليلاتنا العظمى أنّ ”الطبقة العاملة“، التي نزعم تمثيلها، أكثر الفئات انجذاباً إلى تخييل حياتها، وإلى إحلال الوهم محلّ واقع مُزرٍ. صحيح أنّنا كنّا نحضّها على ألاّ تفعل، ونسألها أن تقارع الواقع بواقع بديل، لا بتعويض وهميّ عنه. لكنّ الصحيح أيضاً أنّنا كنّا بذلك نطالبها بصبر أيّوب وبزهد المتصوّفين العتاة في وقت واحد، بحيث تتخفّف من كلّ بحث عن عزاء، ولو مُتوهَّم، على مدى انتظارها قيام الثورة. فكيف وأنّ نضجين لا بدّ أن يتحقّقا قبل ذلك، نضج العامل الموضوعيّ ونضج العامل الذاتيّ، كما ينبغي أن يلتقي النضجان في مكان ما فلا يضلّ أحدهما طريق الآخر.

هكذا لم يتكرّم أيٌّ منّا بشيء من التسامح مع ميل الطبقة العاملة إلى قدر من الاسترخاء، ومع تعويل عارض قد تُبديه على ”أوهام بورجوازيّة صغرى“ تقيم على هامش الهدف الثوريّ الكبير في لحظات تعبه من الانتظار.

لكنْ كائناً ما كان التحليل، راح بعض من أصحابنا يفعلونها في السرّ، فيشترون ورقة من تلك الأوراق الملوّنة التي لا يكفّون عن شتمها. وهو ما لم أكن أرتكبه في بيروت. فحين كسب أبي، ذات مرّة، خمسة وعشرين ألف ليرة لبنانيّة حملتْها إليه ورقة اشتراها، كان خوفي من التضليل الذي ينجم عن هذا الكسب أكبر كثيراً من فرحي به. لقد طاردتُ الفكرة وتركت أخي يستمتع وحده بعوائدها.

بيد أنّ النفس الأمّارة بالسوء انفجرت فيّ حين كنت في لندن. هناك أقمت في بيت قريب من دكّان يبيع اللوتو، وكنت، كلّ ليلة سبت، أشاهد على التلفزيون ظهور النتائج التي تدسّ الملايين في جيوب الفقراء. وتلك كانت موضوعاً لترويج واسع يصعب أن يغمض المرء عينيه عنه، أو أن يواجهه بالتعالي. وقد درج التلفزيون وصحف التابلويد على استعراض هؤلاء الأغنياء الجدد وعلى استصراحهم، ما يقطع باليقين كلّ شكّ قد يراود توما الذي هو أنا. وربّما قيل، عن حقّ، بأنّ الآراء التي كانوا يدلون بها لا تشجّع أحداً على تقليدهم أو الاقتداء بهم، غير أنّ وجودهم ذاته، لا آراءهم، كان يحمل على التقليد. وهل ثمّة من يبحث عن الأفكار والنماذج عند أغنياء اللوتو الجدد؟

هكذا طوّرتُ بيني وبين نفسي ردوداً على اعتراضات قد تنتصب في وجهي، ومن دون أن أُخبر أحداً بفعلةٍ كنت لا أزال أخجل بها قليلاً، تسلّلتُ إلى ذاك الدكّان فتعلّمت كيف أملأ قسائم اللوتو بامتثال المصلّي في بيت عبادة. وأسبوعاً بعد آخر رحت أواظب على تلك الزيارة التي تكشّف عنها عالم سحريّ.

لكنْ قبل السحر لا بأس بقليل من الحقيقة. فهناك، في حضرة اللوتو، تعوّدت الوقوف في الصفّ أنتظر دوري بين أفراد من أهل الحيّ الذين ينتظرون أدوارهم أيضاً. ومرّة بعد أخرى بتّ أعرف وجوه معظمهم: الزوجات اللواتي انتهت زيجاتهنّ إلى عائلات مكسورة هيمن البؤس والشقاء عليها فعوّلن على الخلاص باللوتو، والسكارى الذين يميلون بأجسادهم ويسندونها عليّ أو على سواي، وهم واقفون ينتظرون دورهم، ومعه ينتظرون فردوساً في آخر النفق، فيما تنبعث منهم رائحة خمر وتبغ وعرق يصعب احتمالها، لا سيّما في الصباح.

أمّا في مجال الانسحار، فكنت لا أكفّ عن مساءلة نفسي: لماذا يشتري هؤلاء اللوتو ويبدّدون أموالهم القليلة، فيما المؤكَّد أنّني أنا من سيكون الرابح. وأحياناً كنت أتذكّر مقامر دوستويفسكي، المدرّس الروسيّ أليكسي إيفانوفيتش، وقناعته التي لا تتزحزح بأنّه حتماً سوف يكسب كلّ ما هو مطروح على طاولة القمار. ووفقاً للقناعة هذه، كنت أتصرّف، على مدى الأسبوع الذي يفصلني عن موعد السحب المقبل، بوصفي غنيّاً. وكغنيّ، أروح أنفق بما يفوق طاقتي الفعليّة على الإنفاق. لا بل كنت أحياناً أتمنّع عن متابعة نتائج السحب وقت ظهورها، فأترك الأمر يوماً أو يومين بما يُطيل لذّتي ويُبقيني أطول مدّة ممكنة عائماً على الملايين.

بيد أنّني كنت، في أحيان أخرى، أذهب أبعد من ذلك في مداعبة أوهامي، فأوزّع، بيني وبين نفسي، بعض الثروة التي سأجنيها على أشخاص أحبّهم. وفي هذه الغضون أجدني أواجه أسئلة من نوع: هل أقسّم المبلغ الأصليّ بيني وبينهم، وهذا هو السلوك اللائق، أم أبقيه موحّداً بيدي كي أضمن الحصول على فوائد أعلى فيما أوزّع عليهم شهريّاً بعض تلك الفوائد؟. لقد بدأت تتسلّل الحسابات إلى العلاقة التي يُفترض أنّ الحسابات لا تداخلها. وهذا معطوفاً على مفاضلات صرت أُجريها بين صديق وآخر، وبين صداقة وأخرى، كي أرصد المبالغ المناسبة التي سأوزّعها. وكما في كلّ مفاضلة، يتذكّر المُفاضل في صديقه نواقص أو إساءات كان قد نسيها، قياساً بصديق آخر لم تبدر عنه نواقص وإساءات مماثلة. لكنّ الورطة تتجدّد هنا أيضاً، إذ ماذا لو عرف فلان أنّني أعطيت علاّناً أكثر ممّا أعطيتُه هو، علماً بأنّه يظنّ أنّني أحبّه أكثر ممّا أحبّ علاّناً؟.

وأحياناً كان ينتهي الأمر بي نهاية مزعجة ومربكة في آن معاً، إذ أوزّع المبلغ كاملاً ولا يبقى في يدي شيء منه. وعلى العموم كانت هذه الأسئلة تُشعرني بشيء من اليأس حيال العمليّة برمّتها، أو بأنّني مُقبل على تردٍّ سوف يقصف بعض علاقاتي بأصدقاء لا أريد أن تُخدش علاقتي بهم.

وذات ليلة حضر ما ينقذني من كلّ أنواع الحيرة التي ساقني اللوتو إليها.

لقد عرفت، مع إذاعة أرقام الفائزين، أنّني واحد منهم. والحال أنّ المبلغ الذي كسبته لم يكن كبيراً، ولا هو من النوع الذي يغيّر وضع صاحبه الاجتماعيّ. لكنّه، مع هذا، يعادل ما أكسبه من عملي في شهر كامل.

ورحت أبحث عن الورقة لأكتشف أنّها تُركت في جيب القميص الذي دارت به الغسّالة ألف دورة.