جون ريتش


روى لي صديق لبناني، وقد كان كاتبا، أنه لم يكن يستسيغ ردود القراء على مقالات الكتاب التي تنشر على شبكة الإنترنت. ولسبب يتعلق ببيروقراطية عائلية في المؤسسة التي كان يعمل فيها، وهي مؤسسة صحافية عريقة، استمر موقع هذه المؤسسة على الإنترنت متخلفا عن غيره من مؤسسات أقل عراقة وجدية وتأثيرا على حد سواء. وفي حين كان زملاؤه الكتاب يشتكون من عدم نشر مقالاتهم على الشبكة، كان هو مغتبطا بهذه المجهولية التي فرضتها عليه بيروقراطية طارئة.

حدث هذا في زمن قريب. لكنه زمن سريع ومكثف إذا استعرنا بعضا من أفكار بول فيرليو وهواجسه عن الزمن. وفي ذلك الزمن سرعان ما بات مقياس نجاح الكاتب أو الصحافي متعلقا، على نحو مقلق، بعدد الذين يقرأون مقالته أو يعلقون عليها على الشبكة نفسها. هذا الزمن سريع حقا، إلى حد أنه لم تمض بضع سنوات حتى أخذ الكتاب أنفسهم ينشرون مقالاتهم وأفكارهم وخواطرهم في مدونات متاحة بوفرة هائلة على الشبكة، ولم يلبث كتاب المدونات، الذين كانوا سابقا كتاب مقالات في الصحف وعلى المواقع الألكترونية لاحقا، أن كثفوا نشاطاتهم التعليقية على صفحاتهم الشخصية على الفايسبوك.

في المحصلة الكمية المحضة، أظهرت النتائج هولا بالغا. ذلك أن الكتاب الصحافيين الذين كانوا يكتبون مطولات صحافية في الصحف الورقية، فيها الغث وفيها السمين طبعا، أخذوا يختصرون عدد الكلمات في كل مقالة على الشبكة العنكبوتية، ثم سرعان ما انتقلوا إلى كتابة الخواطر التي تبنى على بنية النكتة نفسها في المدونات. وهي بنية تشبه إلى حد بعيد لقطات نجوم السينما، التي لا تفصح وإنما توحي، وحيث إنها توحي فإن الذين يحددون ما توحيه هم صحافيو المنوعات الذين يستطيعون القول، من دون أن ينجح القراء أو المتابعون في تكذيبهم، أن قصة شعر براد بيت هذه تثبت أنه على خلاف مع أنجلينا جولي. وغني عن القول أن هذه التأكيدات لا تعدو كونها مجرد تلفيقات وشائعات.

ثمة حمى دون جوانية ضربت الكتاب والكتابة بشكل عام. وفي استعارة لتعريف جاك دريدا للدون جوانية، كانت هذه الحمى تنشد زيادة العدد على الدوام. فجعل الكتاب يبحثون عن أسمائهم على موقع غوغل، بغية التحقق من عدد المواد التي يرد ذكرهم فيها، ولم يكن ثمة مجال متاحا لهم لقراءة كل مادة من المواد التي أوردت أسماءهم، فاستعاضوا عن المعلومة اللغوية بالإحصاء الرقمي. وبهذا دخلوا على نحو مقصود في الغابة نفسها التي كانوا يحاولون، من قبل وبناء على وظيفتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، أن يعرّفوا أشجارها (حقق فيلم آفاتار أعلى الإيرادات على شباك التذاكر، وذكر أرسطو في ملايين المقالات على شبكة الإنترنت، وسبقت الليدي غاغا في عدد متابعي صفحتها على الفايسبوك الرئيس باراك أوباما، هذا يعني أن آفاتار فيلم عظيم وأرسطو أهم الكتاب، والليدي غاغا أهم من فرانك سيناترا وباراك أوباما معا وجميعا في آن).

لا غرو أن اعتماد هذا المعيار في تحديد القيمة واستخراج النوعية من التراكم الكمي، على ما أسلف لنا كارل ماركس، مضلل وغير عادل في الوقت نفسه. لكن انزلاق الكتاب والصحافيين في هذا المنزلق، حول مهمتهم، على كافة أصعدتها، من صعيد الكتابة إلى صعيد الإعلان. إذ لم يعد التحليل الملموس الألتوسيري (نسبة إلى لويس ألتوسير) هو الهدف، بما يعنيه هذا التحليل من قلب للمفاهيم وإعادة مساءلتها على نحو دائم، بل أصبح الهدف المعلن هو الاستفتاء الذي يستند إلى عدد المصوتين ليكتسب المستفتى عنه شرعيته وحقيقته المطلقة. الأمر الذي يعني حكما تحول الجمهور إلى الحاكم والحكم، وهو الحاكم الذي يريد مهرجين لتسليته، على نحو ما كان الملوك والخلفاء يستخدمون المهرجين، ولا يريد فلاسفة وباحثين يعيدون وضع قواعد للأحداث ويستخرجون منها العبر.

هذا كله جرى في يوم بعيد جدا، إذا ما استعملنا مقياس بول فيريليو للزمن. والأرجح أن يوما سيأتي نمدح فيه زمن النكتة وتحويل الكتاب إلى نجوم وتحويل الجمهور إلى حكم وحاكم، حين نقارنه بالزمن الذي تلاه. وكان الكاتب اللبناني بلال خبيز قد نشر في أوائل 2010 عبر مؤسسة جذور الثقافية، مقالة حملت عنوانا لافتا: ”مديح الكتب، حين تغلق السلطات سجنا تفشل ثورة“.

في تلك المقالة انصب تحليل خبيز على كتاب الردود على المقالات التي ينشرها الكاتب على شبكة الإنترنت، ورأى فيها ميلا توتاليتاريا يغلب الكثرة الشعارية على الرأي المنفرد. وفي المقالة نفسها، أقام الكاتب تفريقا بين القارئ والكاتب، مفترضا أن ميل القارئ شمولي دائما في حين أن الكاتب فرد بالتعريف. وعليه يمكن القول استنادا إلى هذا التفريق، أن كارل ماركس وفردريك نيتشه كاتبان، أما فلاديمير إليتش لينين وأدولف هتلر فهما قارئان. بمعنى أنهما يفسران على نحو تبسيطي وتوتاليتاري، ما كتبه نيتشه وماركس. الأمر نفسه ينسحب بصورة مريعة على متطرفي الإسلام في الزمن الراهن مثلما ينسحب على قضاة محاكم التفتيش الأوروبية في القرون الوسطى. فأسامة بن لادن وأيمن الظواهري، هما قارئان للتراث الإسلامي، محدودا التفكير والخيال شأنهما شأن أي قارئ آخر، لذلك يحشران التراث الإسلامي الغني بطبيعته ككل تراث، في ثوبهما الضيق. ويحولانه إلى مجرد شعارات عامة ضيقة الأفق تقسم الناس قسمين لا ثالث لهما: مؤمنين وكفار. في هذا لا يختلف منفذ مذبحة ويسكونسن في أحد معابد السيخ عن أسامة بن لادن، بل ربما فاقه جهلا وضيق أفق، فالرجل الذي تفيد التحقيقات عن علاقة له بجماعات عنصرية تؤمن بتفوق العرق الأبيض، لم يستطع التمييز بين السيخ والمسلمين، ذلك أنه يعتبر كل فسحة لا تتعرفها مداركه الضيقة أرضا عدوة، وكل مختلف عنه محكوم بأن يكون شريرا ومن فئة أدنى. وحيث إن القاتل يرى في كل غريب عدوا، فإن قتله مؤمنين من طائفة السيخ ظنا منه بأنهم مسلمون لا يغير في الواقعة شيئا، ذلك أن المسلم مختلف عنه بالدرجة نفسها التي يختلف فيها السيخي عنه. وحيث إن للغريب الشرير في مفهومه ومعتقده اسم واحد هو الإسلام، فإن الضحايا السيخ يصبحون مسلمين رغما عنهم، بدعوى أنهم ليسوا بيضا ومسيحيين. لكن الفاجعة الكبرى في هذه الحادثة لا تتعلق بجهل القاتل فقط، بل بجهل ذوي الضحايا المروع، حيث لم يتردد بعضهم لحظة واحدة بالتصريح: نحن لسنا إرهابيين نحن هنود من السيخ، ولسنا مسلمين.

ليس من المبالغة القول إن هذا التصريح وهذه الواقعة هي، إلى وقائع أخرى، وقائع معاصرة وإن كانت تعيد التذكير باعتراض هيغل الشهير على التعميم وهو العمى بامتياز: كل الفئران رمادية كل البقرات سود.

مذبحة ويسكونسن على خطرها البالغ ليست بالخطورة نفسها التي تتسم بها أحداث سورية والمواقف السياسية والشعبية منها. وحين لا يكف وزير دولة كبرى عن التصريح بأن المعارضة السورية هي معارضة إسلامية متطرفة تقودها القاعدة، يتناسى حكما أن ثمة وجوها تقود المعارضة السورية تنتمي إلى تيارات علمانية ديموقراطية بالتعريف. لكن هذا الأمر بالتحديد ليس هو ما يخيف فعلا. بل ما يخيف في خصوص ما يجري في سورية هو ما يتعلق بتأويل الموتى وتقويلهم ما لم يقولوه أصلا. فالنظام السوري الذي يستخدم الطائرات والدبابات في قصف المدن السورية وقتل أهلها ينطلق من افتراض بالغ الخطورة ويواليه في هذا الافتراض دول وجماعات. هذا الافتراض يستند إلى ظن القاتل ولا يستند إلى تصريح القتيل أو رأيه. فالجندي في الجيش النظامي يقتل من يظنهم أعداءه قبل أن يتمكنوا من قتله. وعليه كل ضحية في سورية تتحول بحكم ظن القتلة، ومن يواليهم، إلى متطرف ميت. دليل القتلة على تطرف هذه الضحية ان الأغلبية الساحقة من القتلى ينتمون إلى طائفة واحدة. وتاليا فإن القتلة في سورية يقتلون القتيل ثم يعيدون تعريفه، بوصفه متطرفا. في هذا يشبه النظام السوري ومسؤولو الدول التي تواليه وتشد على يده قاتل ويسكونسن، ذلك أن هذا النظام ينشر التعميم والعمى، ويحكم على طائفة كاملة بالتماسك المتطرف فلا يعود معها أحد من أبنائها بمنجاة من الموت بحجة أنه إرهابي متطرف أو مشروع إرهابي.

وحين يخرج إلى العلن والضوء من يطعن بهذه النظرة، من قبيل وجود معارضين سوريين ديموقراطيين وعلمانيين، أو معارضين منتمين إلى طوائف أخرى غير الطائفة السنية، فإن منطق النظام السوري يردهم أفرادا وينزع عنهم تمثيلهم للجماعة، أي جماعة، عبر اتهامهم بالجاسوسية والعمالة لدول خارجية. وفي هذا الاتهام ما يحيلهم أفرادا ومفردين. ذلك أن خيار الجاسوسية خيار فردي ومخالف لبدائه الجماعة. فالشعب السوري شعب سوري، والجاسوس من الشعب السوري هو منقلب على هذه العصبة وعدو لها، والسنّة في سوريا سنّة والمنقلبون على تقاليدهم من أبناء الطائفة جواسيس وأفراد. على هذا تصبح الفردية جاسوسية مطلقة ويصبح المختلف، أي مختلف، عدوا يستحق القتل.

والقتل في سورية إنما يجري على قاعدة الجهل بالطائفة السنية وتعريفها تعريفا يشبه تعريف أسامة بن لادن لها، رافضا تعريف هذه الطائفة بالشيخ محمد عبده المصري بل ناكرا لوجوده ونسبه وأصوله أولا وفي الأساس.

لا شك أن سلوك المعارضة السورية والمدافعين عنها استجاب إلى هذه التعميمات الفاشية. فحرصت في كل خطاباتها المعلنة على إبراز المعارضين من غير السنة والتشديد على تسامحهم وعلمانيتهم وتنوعهم. ولم تكن المعارضة وحدها من انزلق هذا المنزلق، بل انزلقت إليه وسائل إعلام عريقة، فنشرت ”واشنطن تايمز“ الأميركية غرة آب (أغسطس) 2012 تحقيقا من سوريا تنسب فيه إلى معارض علوي قوله إن الجيش السوري الحر رفض استقباله لأنه علوي. وهو الأمر الذي نفاه قادة الجيش الحر جملة وتفصيلا، ودفع بعبد الباسط سيدا، الذي كان آنذاك رئيس المجلس الوطني السوري المعارض، إلى التصريح بأن ثمة ضباطا علويين يرغبون في الانشقاق عن النظام والانضمام إلى الجيش الحر.

هذا في الوقائع المتلفزة. لكن الأمر أعمق من ذلك بكثير. وفي حديث خاص مع أحد المعارضين السوريين العلمانيين الذين هربوا من سورية واستقروا في أحد بلاد الله الشاسعة، قال لي أن معظم الناشطين السلميين الذين أطلقوا موجة الاحتجاجات أصبحوا خارج سورية. وهذا من أعمال الحروب الأهلية كما نعلم. ذلك أن الحروب الأهلية لا تنصر إلا مواليدها. فالحروب الأهلية تتم وتنجز حين يصبح الآخر عدوا قاتلا فقط. وحين تصبح صفة الأنا الوحيدة هي القسوة من دون حدود. أي حين يتأمر المقاتلون على الجميع وتصبح كلمتهم مسموعة، وينزوي السياسيون إلى القاع، ويختتمون نشاطهم العام لاجئين أو منفيين أو موتى وأحيانا خونة ومرتدين. ومن مكانه في المنفى واللجوء دافع هذا المعارض السلمي عن ضبط انتماء الضحية، بل وعن حقها في إعلان انتمائها للسنة وصدورها عنهم. فكان يسوق الحجج تباعا على حق الضحية في أن تنتفض ضد قاتلها تحت الاسم والشعار نفسيهما اللذين يصمهما به القاتل. فيصبح المولود لطائفة سنية في سورية متطرفا بالفطرة بحسب تعريف النظام، لأن القاتل أعطاه هذه الصفة. لكن الضحية في أحوال عديدة، تماهت مع خطاب قاتلها وتحول خطابها دفاعا عن حق الأحياء، الذين سيصبحون ضحايا بعد حين، بالتطرف في مواجهة الجهل الذي يواجههم به القاتل، وهو الجهل الذي يدفعه إلى قتلهم. على هذا أيضا حصل تعميم مضاد، أبطاله الضحايا هذه المرة، ومفاده أن القاتل، الذي يصدر عن طائفة أيضا ومنطقة وتراث، هو جاهل بالتعريف، ويستند في تبرير القتل إلى جهله هذا، وعليه يجب قتله ورد غائلته، وحيث إن ثمة آلافا مؤلفة من القتلة في الحال السورية، فإن تفسير ما يقومون به من قبل الضحايا ينزلق، مرة أخرى وعلى نحو مفجع، إلى التعميم والعمى فيصبح الجميع قتلة بالفطرة، إن لم تنسب صفة البطش والقسوة والعنف إلى تربيتهم الدينية والاجتماعية وهو ما قد يتحول في ما بعد إلى نوع من إجازة القتل العمومي والأعمى بحجة الدفاع عن النفس.

يمكن القول أن التطور التقني قدم خدمة جليلة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد من ناحيتين على أقل تقدير.

الناحية الأولى تتصل بسرعة الانزلاق نحو الحرب الأهلية الطائفية. وبنظرة سريعة إلى تواريخ الحروب الأهلية في المنطقة يمكن التقرير من دون عناء كبير أن الحرب الأهلية اللبنانية استغرقت زمنا طويلا نسبة إلى ما تلاها قبل أن تصبح عنفا خالصا من كل منطق. استمرت الحرب أكثر من خمسة عشر عاما واستهلكت أجيالا من القادة والسياسيين، إلى أن أصيبت في نهاياتها بالعمى الكامل الذي تتسم به الفاشية. لكن الحرب التي تلتها مباشرة في الجزائر بدأت من النقطة التي انتهت الحرب الأهلية اللبنانية إليها، تكفيرا واستعدادا لقتل كل من يخالف أمراء الحرب الرأي، وتحولت في العراق بعد سنوات قليلة إلى قتل خالص من دون مبررات أو حاجة لاختراع المبررات. ونجح العراقيون في سنوات قليلة، ورغم اتساع بلدهم مقارنة بلبنان، في أن يدمروا كل لحمة أو عصبية جامعة ومشتركة في ما بينهم. في سورية كانت التحولات أسرع كثيرا مما كانت عليه في العراق. بل أن جيش الأسد اليوم لا يتورع عن تدمير أحياء تاريخية في حلب ودمشق وحمص وحماة، بحجة أن إرهابيين تحصنوا فيها. ولنا أن نفكر في معنى تدمير مدينة مأهولة منذ أكثر من أربعة آلاف عام، كحلب أو دمشق، من دون أن يرف لضباط الجيش جفن. فماذا لو أن جيشا بربريا اجتاح روما ودمر معالمها التاريخية مثلا؟ وبم يختلف جيش الأسد عن مجانين طالبان الذين دمروا المعابد البوذية في باميان أو حمقى مالي الذين يدمرون المقابر والضرائح بحجة أنها أصنام؟

الأرجح أن التطور التكنولوجي كان سببا أساسيا في الانزلاق السريع هذا نحو التدمير الأعمى. ذلك أن الثورة السورية منذ بداياتها نجحت في صناعة صورة لم يسبق لأحد أن استطاع اجتراحها أو حتى التفكير في صناعتها. فكان الناشطون يخرجون في التظاهرات وهم يعرفون أنهم مقبلون على الموت بنيران القوات النظامية، ويحملون كاميراتهم وهواتفهم النقالة يصورون بها موتهم أو موت أقرانهم. تلك الصورة كانت إنجازا هائلا لن ينجح أحد لا اليوم ولا مستقبلا في تجاهله. لكن الإنجاز الهائل والمكلف على مستوى الصورة رافقه فقر مدقع في الكلمة والتأويل. فلم يلبث دعاويو النظام أن كذبوا الصور وادعوا أنها مأخوذة من أمكنة أخرى، ولم تحصل في سوريا أصلا. بل وعرض وزير الخارجية السورية وليد المعلم شريط فيديو يزخر بالدم والجثث والتمثيل والتنكيل، زاعما أن هذه الجرائم هي من ارتكابات إرهابيي سوريا بحق الشعب السوري. ليظهر أن هذا الشريط مفبرك برمته وأن حوادثه حصلت في أماكن أخرى منها لبنان.

التضليل الذي مارسه دعاويو النظام السوري والمدافعون عنه، هدف إلى تحويل قرينة الإثبات التي تحولت الصورة السورية إليها إلى شائعة. واستند دعاويو النظام في تضليلهم هذا إلى جمهور يريد تصديق ما يعلنه النظام. بحيث أصبح أي كان يستطيع تكذيب الموت الصريح في الصور التي بثت من سوريا وادعاء أنها مفبركة بل ويقوم بتنفيذها ممثلون محترفون.

وهذا كله، وبسبب من تسارع الأحداث ووفرة صور القتل والدم، تضاءل حيز التحليل الرصين وأفسح في المجال للتعليقات السريعة، ومعه تضاءل نشاط المدونين على المدونات وانتشر استخدام فايسبوك على نحو مخيف وطاغ. والفارق بين التعليق السريع على صفحة فايسبوك والتدوين في المدونات، أكبر من حجم الفارق بين التدوين في مدونة عابرة وكتابة رأس المال المتأنية. حيث لا يترك التعليق الفايسبوكي للمتلقي أكثر من الحق بإبداء الإعجاب أو التجاهل. مما يعني أن الذين يستمع إليهم من يكتب تعليقا على الفايسبوك هم بالضرورة من المعجبين بتعليقه فقط. أما الذين يعترضون على تلك الجملة السريعة فلا يقرأونها أصلا، ويذهبون إلى صفحاتهم الخاصة لإصدار تعليقات سريعة مماثلة تحفل بإبداء الإعجاب من قبل المعجبين. هكذا تم إنكار الموت جملة وتفصيلا، لأن الناشط على فايسبوك لا يستطيع إثباته أبدا. فهو إما يلتحق بطائفته وعزوته على صفحة مشتركة يتبادلون عليها الإعجاب ببعضهم بعضا، أو يخرس مرة واحدة وإلى الأبد.

مع انتشار استعمال فايسبوك حلت الأحكام القاطعة محل المفارقات التي كانت تحفل بها المدونات، التي بدورها أحلت المفارقة المبنية كنكتة محل التحليل العميق في الكتب. ومع تفشي إصدار الأحكام تحول كل مستخدم للفايسبوك إلى قاض يصدر أحكاما قاطعة. وحتى لو لم يرد مستخدم الفايسبوك أن يكون قاضيا، فإنه يجد نفسه مجبرا على أن يتصرف كنجم أو نبي، يلقي بجملته وتعليقه على الأتباع وينتظر صيحات الإعجاب.

هذا العالم لا يكف عن تسهيل الاتصال بين الناس. لكنه على نحو مؤسف يقتل المحادثات ويحل محلها أحكام قضاة جهلة، لا يعرفون من العالم غير سيرهم الشخصية ولا يصدرون أحكاما أقل من الذبح والقتل والتحريق.