حازم صاغيّة


مثلها مثل الأبحاث أو الروايات، حارت السينما في أمر الفاشيّة وأمر مُلحقها المحرقة اليهوديّة. وأغلب الظنّ أنّ الإكثار من الأفلام التي تناولت هذه العناوين كانت، هي الأخرى، محاولات للسيطرة عليها والتمكّن من حلّ «ألغازها». وهو أمر سوف يستمرّ، على الأرجح، إلى زمن قد يصعب توقّعه.

ذاك أنّ الفاشيّة لم تشكّل مجرّد صدمة عاديّة للتنوير والحداثة الأوروبيّين، بل جاءت صدمتها مطلقة تحمل على التشكيك بالمعاني كما بالمواقف والسلوك، الفرديّ منه والجماعيّ، ممّا ظُنّ أنّه غدا واحدة من المسلّمات «المتمدّنة». فهي صادمت العقل والنزعة الإنسانيّة والتصرّف اليوميّ السويّ معاً، إلى حدّ جعل منها منظومة ضدّيّة شاملة. ومعها أصيبت النرجسيّة الأوروبيّة بجرح عميق: فهي لم تعجز فحسب عن قتل «الوحش» المقيم فيها، بل كادت تعجز عن منعه من قتلها هي نفسها. ووسط شعور عميق بالذنب، حملت الفاشيّة أوروبا على إعادة الاعتبار للميثولوجيّ والبدائيّ اللذين كاد المتحف يبتلعهما، فظهرا في العلوم الاجتماعيّة كما في الفنون رسماً ونحتاً. هكذا تبيّن لـ «المتمدّنين» أنّ التمدّن معتلّ والحضارة معسورة، كما كتب فرويد مستبقاً في أواخر العشرينات، وهو معتلّ لا بذاته وتاريخه بالضرورة، بل بما قبل هذين الذات والتاريخ.

وكان شارلي شابلن في سيرته الذاتيّة قد ألمح بطريقته إلى هذين الشمول والعمق اللذين تملكهما الفاشيّة، إذ «لو كنت أعرف بالرعب الفعليّ لمعسكرات التجميع الألمانيّة، لما كنت صنعت الديكتاتور العظيم، ولما كان في إمكاني أن أسخر من الجنون القاتل للنازيّين». ولأنّ هذا اللامعقول بلغ المدى والحدّة اللذين بلغهما، نشأت مؤسّسة للاعتراض على إضفاء أيّة درجة من العقلانيّة عليه وعلى توابعه. هكذا، مثلاً، وبعد مرور عشرات السنوات، ثار الاحتجاج على محاولات إسباغ الإنسيّة على هتلر، كما في فيلم برنت أيشنغر وأوليفر هيرشبيغل «السقوط»، أو على إرفاق المحرقة بحدّ أدنى من القدرة على الضحك أو العيش العاديّ، كما في فيلم «الحياة جميلة» لروبرت بانيني. وبدوره، لقي فيلم ستيفن سبيلبيرغ الشهير «لائحة شندلر» انتقادات مشروعة بسبب شخصنته البالغة لعلاقة تتعدّى أفعال رجل محسن وكريم.

لقد ولد شيء من التحريم وثقافته القمعيّة من رحم تلك الهيوليّة الاستثنائيّة. وامتدّ التحريم، ولو بقالب من النقد السينمائيّ والفنّيّ، إلى أفلام كـ «سالو» و «بوّاب الليل» و «كاباريه» بوصفها تخلط الأساليب الجماليّة، الواقعيّ منها والمتفسّخ والتعبيريّ والحداثيّ والكيتشيّ، بما يربك عمليّة موضعة الفاشيّة في سياق تاريخيّ محدّد. ومن بين تلك الأفلام استحقّ «بوّاب الليل» هجاء مُرّاً لأنّه، على ما رأى نقّاده، يقدّم الفاشيّة مادّةً إيروسيّة، كما ينزع إلى فصل الرغبة عن الأخلاقيّة ويموّہ المرأة – الضحيّة فيرسمها على هيئة مازوشيّة. هكذا استطرد النقّاد الأكثر تشدّداً مدينين اعتبار الفاشيّة «سِكْسي» أو مجرّد استعارة عن العلاقات الجنسيّة في عمومها. ولم يكن النقاش الغنيّ والمتشعّب هذا غير دليل على غنى الموضوع نفسه وعلى تشعّبه.

1

لقد سبق لبرناردو بيرتولوتشي في عمله الملحميّ «1900» (نوفيتشينتو) العائد إلى 1976، أن أرّخ الظاهرة الفاشيّة في سياقها الإيطاليّ، وفي بلدة قريبة من مدينة بارما في الشمال. فهو ردّ أصولها رمزيّاً إلى يوم 27/1/1901، اليوم الذي ولد فيه ألفريدو بيرلينغهيري (روبرت دي نيرو) وأولمو دالكو (جيرار دي بارديو): أوّلهما أبصر النور سليلاً لعائلة أرستقراطيّة من ملاّك الأراضي باتت مضطرّة إلى التحالف الذيليّ مع الفاشيّين، والثاني واجه هذه الدنيا ابناً غير شرعيّ هو، بالتالي، نقيض العراقة السلاليّة والدم الأزرق المزعومين للأرستقراطيّين، ليغدو، من ثمّ، مناضلاً فلاّحيّاً يعتنق لوناً مبسّطاً من الاشتراكيّة. لكنّ ذاك اليوم، 27/1/1901، يكتسب رمزيّة أخرى، إذ فيه توفّي الموسيقار الإيطاليّ الكبير جوسيبي فيردي. فكأنّنا بتنا حيال نهاية عالم مسكون بالعظمة الأرستقراطيّة، عالمٍ لن يتبقّى لنا منه سوى مأسويّة الأوبرا الفيرديّة نشاهد من خلالها، وبمنظارها، الأحداث التالية عليها.

وعلاقة هذين الاثنين، ألفريدو وأولمو، الصديقين العدوّين، كادت تصل في حميميّتها الضدّيّة إلى حدّ القتل، مثلما أوشكت أن تصل في حميميّتها الودّيّة إلى تخوم الغرام المثليّ، فضلاً عن الاشتراك في علاقة عابرة مع عاملة هوى. ولربّما قيل إنّ بيرتولوتشي أراد الإيحاء بالقرابة التي سبقت العداوة بين الاشتراكيّة والفاشيّة في أوروبا، ما يُستدلّ عليه بقرائن عدّة أبرزها تحوّل المناضل الاشتراكيّ بنيتّو موسوليني زعيماً فاشيّاً. وهذا معطوفاً على خلفيّة في التاريخ الإيطاليّ الحديث زاخرة بالصراعات، تمتدّ من انتفاضة فلاّحيّة في 1908 ضدّ جدّ ألفريدو القويّ والمتمكّن (لعبه برت لانكستر)، أشار الفيلم إليها إلماحاً، إلى تظاهرة «الزحف على روما» في 1922 التي ما لبثت أن أسقطت النظام في قبضة موسوليني. لكنّ ما يفوق ذلك أهميّة، في السياق هذا، أنّ الفاشيّة الإيطاليّة، وفي ما هو ريفيّ من مصادرها، لم تنفصل بداياتها عن قمع النضالات الفلاّحيّة نيابةً عن كبار الملاّكين الزراعيّين. وهو ما يرفعه بيرتولوتشي إلى سويّة مباشرة وبصريّة: هكذا نرى والد ألفريدو يستأجر الفاشيَّ أتيلا ميلانشيني (دونالد سذرلاند) ليكون مشرفاً على أعماله وعلى فلاّحيه. والحال أنّ الاعتماد على ميلانشيني، قائد «القمصان السود» في المنطقة قياساً بالفلاّحين الذين يلبسون الأحمر والأصفر القويّين، إنّما أملاه التدهور من الجدّ الكفوء والشعبويّ إلى الأب التافه والضعيف والسينيكيّ، دلالةً على التوازي بين تعاظم دور الفاشيّين وبين تراجع الأُسر التقليديّة في إيطاليا وانحطاطها، بما فيها أهمّها أسرة سافوي المَلكيّة نفسها التي استتبعها الدوتشي.

وفي عمله كوكيل، مارس ميلانشيني قسوة منقطعة النظير حيال الفلاّحين، في عدادها السجن واتّهام الآخرين بخيانة إيطاليا الفاشيّة، وصولاً إلى القتل البارد. وأتيلا هذا ساديّ من طراز غير عاديّ، على ما رأينا في المشهد الاستثنائيّ لقتله القطّة بنطحها، أو في مشهد اغتصابه ابن أحد أكثر الأرستقراطيّين حماسة للفاشيّة قبل قتله. ومع أنّ بعض النقّاد انتقدوا تقديم الفاشيّة، من خلال هذه المشاهد، بوصفها ساديّة محضة أو حالة نفسيّة متصدّعة، ومن ثمّ إهمال السياسيّ فيها، بقي أنّ المشهديّة الحادّة والكثيفة جزء عضويّ من الفاشيّة، تماماً بقدر ما أنّ العدوانيّة وانتزاع اللذّة، أو السلطة والانتصار، عنصر اشتراك بينها وبين الساديّة. هكذا لاحظت سوزان سونتاغ في مقالتها اللامعة «الفاشيّة الساحرة»، حيث تناولت عمل المصوّرة النازيّة ليني ريفنستال «انتصار الإرادة»، أنّ «التاريخ - على يد الفاشيّة - يصبح مسرحاً».

لكنّ التوازي بين ألفريدو وأولمو، تشابهاً واختلافاً، لا يقتصر على الولادة في أوّل القرن العشرين، القرنِ الموسوم بالتوتاليتاريّات الأوروبيّة والحروب العالميّة والدم الكثير، ولا من العيش في مكان واحد، ولو متفاوت اجتماعيّاً. فبينما يُطوَّع أولمو ليخوض الحرب العالميّة الأولى كمجنّد، وهذه حال أبناء الفلاّحين، ينصرف ألفريدو لتعلّم الكيفيّات التي يدير بها مصالح العائلة الإقطاعيّة. ومع انقضاء سنوات قليلة على إمساك الفاشيّة بعناق إيطاليا، يتزوّج الاثنان. لكنْ إذ تتحوّل زوجة ألفريدو الثريّة، لدى اكتشاف خواء العلاقة بزوجها، كحوليّةً ضائعةً ومشتّتةً، يقترن أولمو بمناضلة ما إن تنجب حتّى ترحل عن هذه الدنيا. فكأنّ إيطاليا أواخر العشرينات محصورة، فضلاً عن الخيار الفاشيّ، في بدائل صعبة الولادة، وفي طبقة تقليديّة ارتضت تسليم أمرها إلى الفاشيّين والغرق في تفاهتها الذاتيّة. وكان من هذه التفاهة أنّ ألفريدو، الذي درج في شبابه الأوّل على التذمّر من عائلته، بات يتهرّب من مواجهة «عامله» أتيلا والحدّ من عدوانيّته المستفحلة ومن مزايدة يمينيّة يتميّز بها الفاشيّ قياساً بالمحافظ الآتي من صفوف البورجوازيّة المألوفة. ذاك أنّ سلوك الملاّكين، الذي غدا بمثابة تقليد، هو، في لحظات التأزّم الاجتماعيّ، الوقوف بعيداً والسماح بصعود الفاشيّة وبتمكّنها. هكذا يغدو الصدام حتميّاً، وبلا وسائط، بين أولمو، وقد غدا قائداً فلاّحيّاً، وبين أتيلا.

2

لئن أشّر بيرتولوتشي إلى تعفّن العلاقات الانسانيّة في ظلّ الفاشيّة وبسببها، فإنّ لوشينو فيسكونتي ذهب أبعد. فقبل سبع سنوات على «1900»، تناول المخرج الإيطاليّ البارز الوكالةَ الفاشيّة عن العالم التقليديّ المنهار في فيلمه «الملعونون» (واسمه الأصليّ بالإيطاليّة «سقوط الآلهة» دلالةً على سقوط المعاني والقيم والعلاقات الألمانيّة المعطاة). وقد جاء «الملعونون» واحداً من ثلاثيّته عن التاريخ الحديث لألمانيا، جنباً إلى جنب «لودفيغ» و «موت في البندقيّة». لكنْ بدل عائلة بيرلينغهيري، الزراعيّة الإيطاليّة، نجدنا هنا مع عائلة إيسّنبِك الصناعيّة الألمانيّة التي سيطرت على إنتاج الصلب (والمقصود فعليّاً أسرة كروب الشهيرة التي تعاملت مع النازيّين، والتي حوّر الفيلم سيرتها).

أمّا نقطة انطلاق فيسكونتي فليلةُ حريق الرايخستاغ في شباط (فبراير) 1933. لكنّها أيضاً نفس ليلة الاحتفال بعيد ميلاد عميد العائلة المسنّ البارون جواكيم فون إيسّنبِك والتي ترافقت مع إعلانه تقاعده من إدارة مصنعه. والمقارنة هنا لا تخفي رمزيّتها: فإذا كان الحريق قد مهّد للاستيلاء النازيّ على ألمانيا، فإنّ الليلة نفسها انتهت باغتيال عميد العائلة الصناعيّة المتقاعد، الممثّل للأرستقراطيّة القديمة والكاره للنازيّة.

من هنا تتطوّر الأحداث وكأنّها سجلّ عن صعود النازيّة على حساب الطبقات القديمة وعالمها، وهو استبدال يحصل بالعنف والكذب والخداع والتزوير معاً.

فقد لُفّقت لهيربرت ثالمان، نائب رئيس إدارة المصنع المجاهر بمناوأته النازيّة، تهمة قتل البارون، بحيث ولّى فارّاً من الغستابو فيما وقعت زوجته إليزابيث (شارلوت رامبلنغ) وابنتاها الطفلتان في أيديهم. وفي عمليّة إمساك الدولة التوتاليتاريّة بتلك الامبراطوريّة الصناعيّة، آلت إدارة الأخيرة إلى قريب للعائلة هو كونستانتين، الضابط في «قوّات العاصفة» النازيّة SA والرجل الجلف العديم القيم والأخلاق. وفي ردهة الانتظار كان يقف شابّان صغيران: ابن كونستانتين، غونتر، وهو طالب حسّاس، طباعه أقرب إلى طباع فنّان، ومارتن (هيلموت بيرغر)، النجل الوحيد للبارون جواكيم الذي كان من أبطال الحرب العالميّة الأولى. إلاّ أنّ مارتن هذا مريض جنسيّاً، عبث بابنة عمّه الطفلة كما عبث بطفلة يهوديّة في السابعة قتلت نفسها شنقاً. وهو أيضاً بالغ الإذعان والخضوع لأمّه، صوفي، الذي ربطته بها علاقة من طراز أوديبيّ.

وكان لهذه الشبكة العنكبوتيّة، القرابيّة - الطبقيّة، التي يحاصرها التآكل من كلّ صوب، أن فاقمت إغراء الحكم النازيّ الجديد بتكييفها وبضرب واحدها بالآخر عبر الاستفادة من أحطّ الغرائز والرغبات الجامحة لأفرادها. هكذا دخل إلى الحلبة قريب للعائلة هو أشنباخ الذي كان ضابطاً نازيّاً، وظيفته أن يحرّك تناقضاتها وأن يستخدمها من أجل استيلاء الدولة كلّيّاً على مصادر إنتاج الصلب والذخيرة الحربيّة. وفي «الديكتاتور العظيم» (1940)، وهو الفيلم الأوّل في مسخرة النازيّة وهتلر (المسمّى أدينويد هينكل) الذي يحكم «تومانيا»، سبق لشارلي شابلن أن صوّر النازيين كـ «رجالٍ آلات بعقول آلات وقلوب آلات». وكانت مهمّة الآلة المسمّاة أشنباخ أن يرعى، بأقصى السينيكيّة، صعود فريدريك بروكمان (ديرك بوغارد)، الموظّف في المصنع والمتسلّق الذي صار، على رغم تواضع منبته الاجتماعيّ، عشيقاً لصوفي، فضلاً على كونه القاتل الفعليّ للبارون جواكيم فون إيسّنبِك.

وقد استغلّ فريدريك تصفية القوّات النازيّة الرسميّة SS لـ «قوّات العاصفة»، التي عُدّت التعبير عن اليسار الشعبويّ النازيّ، في 1934، في ما عُرف بـ «ليلة السكاكين الطويلة»[1]، حيث قُتل كونستانتين[2]. بيد أنّ أشنباخ يقرّر أن يمنع حليفه فريدريك من السيطرة على ثروة العائلة، فيعامله بوصفه وصوليّاً انتهازيّاً، لا نازيّاً أصيلاً، مستنفراً كلّ حواسه للإفادة من أخطائه ومن أسباب ضعفه.

في هذه الغضون يظهر هيربرت ويسلّم نفسه للغستابو كاشفاً أنّه فعل هذا كي يضمن حياة بنتيه اللتين أرسلتا إلى معسكر داخاو مع أمّهما التي ماتت هناك. أمّا أشنباخ فيتّفق مع مارتن، التافه والمريض والساديّ، على إزاحة فريدريك وصوفي كي يحلّ هو محلّهما في القيادة. ثمّ يعتدي مارتن، وقد صار ضابطاً نازيّاً، اعتداء جنسيّاً على أمّه فتصاب بلون من تصلّب نفسيّ يشلّها تماماً، فيما ينزع عن فريدريك اسم «فون إيسّنبِك» ولقبه، قبل أن يسمح لهما بزواج مرفق بتقديم السمّ لـ «العريسين» من أجل أن ينتحرا.

لقد قبض هذا الفيلم، الذي ترك تأثيره على أفلام لاحقة تناولت النازيّة، كـ «كباريه» و «بوّاب الليل»، على حدث تاريخيّ مركزيّ ومتحوّل، تماماً كما فعل فيسكونتي ذاته من خلال فيلمه الآخر «الفهد» الذي دار حول الوحدة الإيطاليّة والتحوّلات الاجتماعيّة التي رافقتها. غير أنّ النازيّة، كما قدّمها «الملعونون»، ترقى إلى مضمون لتظهير ميكانيزمات السلطة ولكيفيّات اشتغالها من دون ضوابط ومن دون أيّة رأفة إنسانيّة.

3

لئن لوحظ في الفيلمين أعلاه اهتمام السينما بإحلال النازيّة العلاقة السادو مازوشيّة في موقع رفيع، فهذا ما دفعه بيار باولو بازوليني إلى مداه الأقصى في فيلمه الرهيب «سالو أو أيّام سادوم الـ 120»، العائد إلى 1975.

ولا بأس، هنا، باسترجاع سوزان سونتاغ التي رأت أنّ الجماليّات الفاشيّة إنّما تنبع من «انشغال فائض بأوضاع السيطرة، وبسلوك الإخضاع، وبإسراف في الجهد، وبتحمّل الألم. إنّها تعزّز حالتين متعارضتين ظاهريّاً: الولع الجنونيّ بالأنا والاسترقاق»[3]، ما يتبدّى في أنصع أشكاله في علاقة الزعيم بالجماهير إذ يؤنّثها حيال فحولته الفائضة فيما يوهمها بقوّة مصدرها الكثرة والمضامين البطوليّة للخطابة وللنصّ السياسيّين.

وعلى عادة بازوليني في الارتكاز على نصّ تاريخيّ (ديكاميرون، ألف ليلة وليلة، إنجيل متّى...)، نراه هنا يذهب مباشرة إلى كتاب دو ساد «أيّام سادوم الـ120»، وهو الرواية التي كتبها الماركيز في 1785، وتروي قصّة أربعة رجال متفسّخين قرّروا بلوغ لذّتهم الجنسيّة، على مدى أشهر، من طريق الجنس الجماعيّ في إحدى القلاع المعزولة. بيد أنّ هذا العمل الذي كان آخر ما صنعه بازوليني، عرّضته مشاهده العنيفة والساديّة و«المقرفة» على نحو استثنائيّ لمناقشات مستفيضة ولإجراءات منع في بضعة بلدان.

و «سالو» يختار، هو الآخر، أربعة فاشيّين إيطاليّين أغنياء لا يقرّون أيّ حدّ أخلاقيّ على حريّاتهم، وذلك إثر سقوط إيطاليا موسوليني في 1944. هكذا نراهم يختطفون تسعة مراهقين وتسع مراهقات ويخضعونهم لأربعة أشهر من العنف والاضطهاد الجنسيّ والنفسيّ في آن. فالجسد الشبابيّ مركزيّ في الاختيار فيما الكمال الجسمانيّ يكاد يكون، لشدّته المتخيَّلة، بل الفانتازيّة، بورنوغرافيّاً.

مسرح الحدث البازولينيّ «جمهوريّة سالو» في الشمال الإيطاليّ، وهي الجزء الذي احتمى آنذاك بالألمان قبل التداعي الكامل لجميع قوى «المحور». والفيلم الذي يكاد يكون فيلم رعب، ويملك معظم عناصر الصدم التي تملكها أفلام الرعب، ينقسم أربعة أقسام تحاول أن توازي أجزاء «جحيم» دانتي، وهي «الجحيم المضادّ» و «دائرة هوَسات الهوس» و «دائرة الخراء» و «دائرة الدم». أمّا الأسياد الأربعة فيشغلون مواقع مألوفة في أيّ مجتمع مسيحيّ تقليديّ: فهم دوق ومطران ومدير ورئيس، توافقوا على أن يتزوّج واحدهم ابنة الآخر كخطوة أولى في طقس لا يعبأ بالمحرّمات، بل يداور سفاح القربى. وإلى الـ 18 شابّاً وصبيّة الذين سيقوا إلى قصر معزول، هناك أربع مومسات في عمر متوسّط هنّ أيضاً متعاونات مع الأسياد، وظيفتهنّ، في هذا المجون المفتوح، أن يسردن إيروتيكيّاً قصصاً مثيرة جنسيّاً للرجال الأربعة الذين يستثمرونها ساديّاً على ضحاياهم الثمانية عشرة.

وتنقل «سالو» بعض الأيّام الكثيرة في ذاك القصر، حيث يتزايد تفنّن الأربعة في تقنيّات التعذيب والاضطهاد والإذلال لانتزاع اللذّة، حتّى إنّ العواطف، في «دائرة الخراء» مثلاً، تتصاعد في حدّتها من جنس لا ينتهي بالإيلاج إلى أكل الخراء حَرفيّاً coprophagia بما في ذلك إجبار إحدى الفتيات على تناول خراء الدوق، ثمّ تقديم وجبة ضخمة من الخراء الانسانيّ للضحايا. وفي النهاية فإنّ من يتبقّى من الأخيرين إنّما يتمّ قتلهم عبر سلخ فروة الرأس والتعذيب بالحرق وتقطيع الألسنة وانتزاع الأعين، استعادة لبعض أحطّ طرق القتل القروسطيّ، فيما السادة الجلاّدون الأربعة يتناوبون على التلصّص.

والواقع أنّ هذا الفيلم عن النازيّة والساديّة والتفسّخ البورجوازيّ الاستهلاكيّ والسيادة الذكوريّة والاستعادة المشوّهة للفظاعات...، جعل كلمة «سالو» أشبه بمرادف للموت. فقسوة الفيلم الفائضة لا تكتفي بنزع الأنسنة عن الجلاّدين إذ تكاد أيضاً تنزع الأنسنة عن الضحايا أنفسهم، تماماً مثل التلفزيونات في زمننا حين تبثّ صوراً تفصيليّة عن جثث قتلى. ذاك أنّ الضحايا يموتون وكذلك الجلاّدون، إذ الموت الأفق الوحيد أمام الجميع في عالم لا تُستردّ براءته إلاّ بإحراقه.

4

على عكس بازوليني الذي تناول «سلطة» فاشيّة مصغّرة، انتظرت ليليانا كافاني مرور 17 سنة على اندحار الفاشيّة كي تقدّم فيلمها «بوّاب الليل» (1974) الذي يرصد بعض الآثار النفسيّة المنجرّة عن تلك التجربة. والفيلم هذا يدور حول علاقة ماكسيميليان ثيو ألدورفر (ديرك بوغارد)، وهو ضابط نازيّ سابق، بلوسيا أثرتون (شارلوت رامبلنغ)، إحدى الناجين من مخيّم تجميع. فعبر عودات متلاحقة إلى الوراء flash backs نكتشف أنّ لوسيا إنّما ربطتها علاقة غامضة بماكسيميليان، أو ماكس، نشأت عن اغتصابه لها في السجن حين كانت في مراهقتها. فهو كان يعذّبها ويُنزل بها الألم، إلاّ أنّه، في الوقت عينه، يحميها ويحبّها بطريقته. وفي أحد المشاهد تندفع العلاقة هذه إلى أقاصٍ بازولينيّة، فنرى لوسيا وقد حُملت على أن تغنّي إحدى أغاني مارلين دايتريش لحرّاس المعسكر فيما تلبس قطعاً من زيّ القوّات النازيّة (الـ SS). وعلى غنائها يكافئها ماكس بأن يقدّم لها رأساً مقطوعاً لسجين، متنفّذ في السجن، كان يعذّبها، في إشارة تستعيد سالومي التي جعلها الإنجيل رمز الغوى النسائيّ الخطير والخبيث، لتسبُّبها بمقتل يوحنا المعمدان ثمّ حملها رأسه[4].

والفيلم إذ يعود بنا إلى 1957، يجمع لوسيا بماكس ثانية، فيما يكون يعمل بوّاباً ليليّاً في فندق بفيينا. هناك يعودان الى ممارستهما السادو مازوشيّة حيث يحتلّ الزجاج المكسور وتحسّس اللحم له موقعاً مميّزاً، لا سيّما في مشهد تقفل فيه لوسيا على نفسها في حمّام وتكسر قنينة عند عتبة الباب ثم تتيح الدخول لماكس كي يستمتع بالزجاج المكسور يمزّق قدميه.

وبالاستعادات الكثيرة التي تواكب السرد يلتقط «بوّاب الليل» ما تعتبره كافاني استمراريّة سياسيّة بين النازيّة إبّان الحرب وبين أوروبا ما بعد الحرب، التقاطه الاستمراريّة النفسيّة للأشخاص المحبوسين في تكرار للماضي لا مهرب منه. ونراه، في هذه الحدود، يتعامل مع الشرط البسيكولوجيّ المعروف بعقدة ستوكهولم، مسحوباً إلى سويّة شاملة وإنسانيّة. فلوسيا، في الفيلم، لم تُقدّم كيهوديّة، بل كابنة لمناضل اشتراكيّ، ربّما لأنّ كافاني أرادت من خلالها الاشارة إلى عذاب المرأة عموماً، لا سيّما متى صدرت عن بيئة حزبيّة وإيديولوجيّة مدانة ومضطهَدة. ثمّ إذا كانت لوسيا هي الضوء، والقديسةُ لوسيا، بحسب التراث المسيحيّ، شفيعة العميان، فإنّ ماكس إنّما شخصن عقدة الذنب كونه يخاف الضوء ويحبّ العيش في جُحر. وبالمناسبة فإنّ «بوّاب الليل» إنّما صُوّر في العتم، وهو ما يكمّله صمت ماكس وانطواؤه وإيحاءات برمه بالعالم الذي لا يريد الخروج إليه. فالحسيّة والتقشّف يلتقيان في الدور الذي أدّاه ديرك بوغارد بوجهه السلطويّ العابس والمتحفّظ، الذي لا يبتسم إلا إيحاءً مينيماليّاً بالابتسام. وهناك في الفيلم إشارات خاطفة يشوبها قدر من الالتباس والحيرة الجنسيّين لدى ماكس الذي ربطته علاقة براقص الباليه العاري. غير أنّه جزء من الالتباس الذي يحيط بكلّ ما يتّصل، على نحو أو آخر، بالفاشيّة. فـ «بوّاب الليل»، مثلاً، قد يبدو إيروتيكيّاً عند من يحبّون الألم، ومن يستهويهم العدوان الجنسيّ، إذ الألم، هنا وهناك، وعلى ما أكّد نقّاد الفيلم، قد يبدو «شيك».

5

إذا كان عمل كافاني قد تناول النازيّة بعد انقضائها، ففي 1972 ظهر أحد ألمع الأفلام الذي رسم إحدى وجهاتها إبّان صعودها في جمهوريّة فايمار: إنّه «كاباريه» للأميركيّ المتعدّد المواهب بوب فوسّ، وهو ينقل عالم برلين في 1931، قبيل تسلّم أدولف هتلر السلطة.

وبشيء من الخفاء والمواربة، يسجّل الفيلم، وهو في الأصل مسرحيّة غنائيّة، الصعود النازيّ، حيث أنّ أكثر ما يُلاحظ في ذاك الطور الانتقاليّ اضطرار الشخصيّات إلى تغيير أفعالهم ومواقفهم بما يلائم التحوّل الأسود الكبير. ففي البداية يكون من الممكن، مثلاً، طرد أعضاء نازيّين من «كيت كات كلوب»، لكنْ في منتصفه يتزايد أعداد الألمان الذين ينشدّون إلى حزب هتلر، ثمّ في النهاية يسيطر هؤلاء على جوّ الكاباريه ويكادون يتحكّمون به. وهنا أيضاً يستعرض الفيلم الغموض الجنسيّ الذي يواكب التذرّر الاجتماعيّ، حيث تتبدّى ساطعةً استحالة إنشاء علاقات سويّة ومستدامة بين البشر الأفراد.

فآنذاك، في 1931، عاشت في برلين المغنّية الأميركيّة سالي باوِلز (ليزا مينيلّي) حيث غنّت في «كيت كات». وإلى برلين وصل برايان روبرتس (مايكل يورك) الذي أقام في شقّة من البناية التي تقيم فيها سالي.

وكان روبرتس، الكاتب والأكاديميّ البريطانيّ المتحفّظ والمحافظ، يعطي دروساً بالانكليزيّة تؤمّن له معيشته فيما ينجز دراسة اللغة الألمانيّة. أمّا سالي فتحاول، من غير نجاح، أن تغريه، قبل أن تشكّك في أنّه مِثليّ لا يحبّ النساء. وهو، بدوره، يخبرها بأنّه حاول من قبل مع ثلاث نساء إلاّ أنّ الفشل كان حليفه في محاولاته كلّها.

ويُشتمّ عموماً أنّ برايان مثليّ كامن أو مقموع، لكنّ سالي لن تلبث أن تعرّضه للمناخ الجنسيّ المتحرّر في «كيت كات» بوصفه مصغّراً عن برلين الفايماريّة. كذلك لا يلبث الاثنان أن يتصادقا فيغدو برايان شاهداً على حياة سالي الفوضويّة والبوهيمية في الأيّام الأخيرة من جمهوريّة فايمار، حيث كلّ شيء في مخاض من التحوّل أو على تخوم الانهيار والفناء. وهذا ما بدا لسالي، في البداية، جميلاً وسائلاً وحرّاً، بل فرصةً مفتوحة للتجريب وللنجاح والترقّي، فكأنّ «كيت كات» واحة رائعة في محيط مضطرب. إلاّ أنّ اضطراب المحيط كان، بالضبط، ما يتيح مثل تلك الواحة إتاحةً موقّتة.

وفي وقت لاحق يغدو برايان وسالي حبيبين على رغم تحفّظاتهما السابقة، ويستنتجان بسخرية أن فشله مع النساء إنّما حصل لأنهنّ «الفتيات الثلاث الغلط». كذلك تتصادق سالي مع ماكسيميليان فون هيون، وهو بارون وثريّ تستهويه التجارب من كلّ نوع، فيصطحبها هي وبرايان إلى الريف حيث لا يتّضح تماماً وراء أيٍّ منهما يسعى ماكسيميليان. وسريعاً ما يطلّ مشهد راقص يتوّج الغموض هذا، حيث يرقص الثلاثة على نحو حميم ومتداخل. لكنْ بعد تجربة جنسيّة مع برايان، يخسر ماكسيميليان اهتمامه بالاثنين ويسافر الى الأرجنتين. وينتهي الفيلم ببرايان ذاهباً بالقطار إلى انكلترا، فيما تبقى سالي، التي رفضت الاقتران به، في برلين.

وهذه المصائر التي تشي بالافتراق والتشتّت الكامل وانعدام كلّ اجتماع، أو كلّ استكمال للعلاقات الانسانيّة، إنّما يكثّفها استخدام الفيلم للألوان ولبهرجة الملابس ودخان الكاباريه، فضلاً عن المبالغة في استعمال مساحيق التبرّج (المايك أب) دلالةً على تفسّخ تلك الأزمنة وغرائبيّتها.

6

في 1982 ظهر «خيار صوفي» لآلن باكولا، المقتبس عن رواية تحمل العنوان نفسه لوليم ستايرون، وهو عن مهاجرة بولنديّة، هي صوفي (ميريل ستريب)، تنتقل إلى الولايات المتّحدة.

الفيلم، الذي سكّ عنوانُه تعبيراً إيقونيّاً في الكتابة والكلام المتّصلين بالمعاناة الفرديّة، يدور في 1947 حين يصل إلى نيويورك ستينغو، وهو سارد الفيلم والكاتب الشابّ، من أجل أن يكتب روايته، فيتصادق مع صوفي وحبيبها ناثان لانداو. وفي إحدى الأمسيات يعلم ستينغو من صوفي أنها كانت متزوّجة إلاّ أنّ زوجها وأباها قُتلا في معسكر ألمانيّ، وأنّها هي نفسها كانت في أوشويتز. وبدوره، كان ناثان، المهووس بالهولوكوست، دائم الغيرة وشديدها، وفي إحدى لحظات غضبه الحادّ، يقنع نفسه بأنّ صوفي غير مخلصة له ويروح يضطهدها. لكنّ ناثان كان قد سبق له أن أنقذ صوفي من احتمال الموت، بسبب إصابتها بفقر الدم، بُعيد وصولها إلى الولايات المتّحدة.

قبلذاك، وفي خلفيّة ما جرى، كانت صوفي، وهي كاثوليكيّة بولنديّة، قد اكتشفت تعاطف أبيها مع النازيّين. وقد كان لديها يومذاك عشيق هو جوزف، الذي عاش مع نصف شقيقة اسمها فاندا، وهي قياديّة في المقاومة. وإذ حاولت فاندا أن تقنع صوفي بأن تترجم بعض وثائق الغستابو المسروقة، رفضت الثانية خوفاً على أولادها. مع هذا، اغتال الغستابو، بعد أسبوعين، جوزف، فيما اعتُقلت صوفي ونُقلت مع ابنها وابنتها الطفلين إلى أوشويتز.

في هذه الغضون عرف ستينغو من شقيق ناثان أن شقيقه ليس سويّاً عقليّاً بل هو عظاميّ - شيزوفرينيّ. هكذا تهرب صوفي وستينغو من عنفه إلى فندق ما حيث تخبره قصّتها التراجيديّة في أوشويتز: فقد كان عليها، مع وصولها إلى المعسكر، أن تختار أيّاً من ابنيها يُحرَق بالغاز وأيّاً منهما يُضمّ إلى معسكر العمل. ولكي لا يُحرق الاثنان اختارت أن يُرسَل الصبيّ جان إلى معسكر للأطفال فيما تُرسل الفتاة إيفا إلى الحرق. وبما يحمل على استعادة عبارة ثيودور أدورنو الشهيرة، من أنّ «كتابة الشعر بعد أوشويتز [عمل] بربريّ»، ينام ستينغو وصوفي معاً في ليلة التذكّر تلك. لكنْ حين يغفو ستينغو، وبينما صوفي تتألّم بذاكرتها، تختار أن تعود إلى ناثان حيث ينتحران سويّةً.

فصوفي وستينغو لا يجمع بينهما الألم وحده، بل أيضاً الانتماء إلى تلك الجماعة التي اعتبرتها النازيّة وسخة حتّى التلوّث والتلويث، ووضعتها في مقابل الآريّين النظيفين حتّى النقاء البلّوريّ. ذاك أنّ اليهود ومن يشبههم هم، في العرف الهتلريّ، مختلطون ملتبسون، ومدينيّون لا يملكون صفاء الريف والطبيعة، فضلاً عن كونهم مثقّفين ونقديّين، أي أنّهم مخرّبون وجبناء لا يستحقّون العيش.

مع هذا، فـ «خيار صوفي» يجافي التبسيط إذ يخلّ بتنميط اليهوديّ كضحيّة مجرّدة، وذلك من خلال ناثان وسلوكه العدوانيّ كما من خلال كاثوليكيّة صوفي. وهو، في السياق هذا، يستعرض الإحساس الذاتيّ بالذنب وما يترتّب عليه من اعتلال نفسيّ لدى يهود عاشوا حياة طبيعيّة في أمكنة شتّى من العالم بينما كان يُحرق ملايين اليهود في مناطق سيطرة النازيّة.

7

والحال أنّ كلفة الألم في الفاشيّة ليست دائماً أكبر من كلفة اكتساب المعنى الانسانيّ والاحترام. ذاك أنّ الممسوسين بها عرضة لتناقُص في إنسانيّتهم وفي معناهم على نحو جلاه فيلم بيرتولوتشي «المطابق» The conformist الذي ظهر في 1970، مرتكزاً على الرواية التي تحمل الاسم نفسه لأديب إيطاليا الكبير ألبرتو مورافيا. فباعتماد موسّع على فنّ وديكور الثلاثينات، وعلى القاعات الضخمة والنُصبيّة، يرسم الفيلم لوحة للانتهازيّ والوصوليّ، وفي الآن نفسه العُصابيّ المحتقر ذاتَه، الذي توفّر له الأجهزة الفاشيّة جسره إلى اكتساب المعنى.

الفيلم يبدأ بمارسيلّو كليريشي (جان لوي ترنتينيان) في باريس وهو ينظّم محاولته لاغتيال مَن كان أستاذه في الجامعة، لوكا كوادري. لكنّ «المطابق» مليء، هو الآخر، بالعودات إلى الماضي، ومن ذلك أنّنا نراه صبيّاً إبّان الحرب العالميّة الأولى، معزولاً بسبب من ثراء أسرته ومهاناً اجتماعيّاً من قبل رفاق صفّه. وهكذا يمضي به الحال إلى أن ينقذه سائق هو لينو الذي أراه مسدّساً يحمله ثمّ حاول مضاجعته، وهو ما استجاب له جزئيّاً قبل أن يأخذ المسدس ويطلق عليه النار فيصيبه ويبدو كما لو أنّه قتله. وفي استرجاع آخر يناقش مارسيلّو وخطيبته غيليا ضرورة أن يعترف أمام الكاهن، تبعاً لإلحاده، كي يسمح لها أهلها بالزواج منه. وهو يرضخ لذلك ويعترف للكاهن بأنه ارتكب كثيراً من الخطايا بما فيها علاقة مثليّة غير مكتملة مع لينو وإقدامه على القتل وممارسته الجنس قبل الزواج وعدم شعوره بالذنب لهذه الخطايا. ويعترف مارسيلّو أيضاً بأنّ زوجته الجديدة لا تعني له الكثير لكنّه، مع هذا، يريد زواجاً تقليديّاً يعود عليه بالأطفال ودفء العائلة. وتصدم الكاهنَ مثليّةُ مارسيلّو العارضة والجزئيّة أكثر من ممارسته القتل. لكنّه سريعاً ما يحلّه من ذنوبه بمجرّد سماعه أنّه يعمل للبوليس السريّ الفاشيّ، إيحاءً من بيرتولوتشي بتواطؤ الكنيسة مع النظام الموسولينيّ. ولا يلبث أن يؤمر مارسيلّو، وقد تزوّج، باغتيال أستاذه السابق البروفيسور كوادري، وهو مثقّف مناهض للفاشيّة يعيش منفيّاً في فرنسا. ومستخدماً زواجه كذريعة، يصحب عروسه غيليا إلى باريس لقضاء شهر العسل على أن ينفّذ مهمّته هناك. لكنّه، هو الكذّاب الذي يتوسّل كلّ شيء، ما إن يزور كوادري حتّى يقع في غرام زوجته الشابّة أنّا ويلاحقها. ولئن عرفت أنّا وزوجها بعواطف مارسيلّو الفاشية وبالخطر الذي يمثّله عليهما، فإنّها تنجذب إلى محاولاته معها، كما تحاول أن تتقرّب من عروسه غيليا بما في ذلك جنسيّاً.

بيد أنّ مارسيلّو الجبان لا يلبث أن يعيد المسدّس الذي أعطي إليه إلى مرافقه، خائفاً من تنفيذ المهمّة بنفسه، كما يسلّمه المعلومات عن كوادري وعن بيته الريفيّ الذي يزمعان الانتقال إليه، علّ المرافق ينفّذ المهمّة تلك.

على أنّ كوادري وأنّا وهما يسلكان طريقهما بالسيّارة، يتعرّضان لفاشيّين يطلعون من غابة مجاورة وهم مسلّحون بالسكاكين. وإذ تهرب الثانية إلى مارسيلّو الذي كانت سيّارته قريبة من سيّارتهما، فإنّه ينظر إليها ببرودة من غير أن يهتمّ بإنجادها، فتفرّ باتّجاه الغابة حيث يقتلها الفاشيّون هي أيضاً.

وتكون نهاية الفيلم في 1943، مع تداعي موسوليني. فقد غدا مارسيلّو، الذي استقرّ على حياة عائليّة تقليديّة، أباً لطفل صغير. وإذ يلتقي بإيتالو، صديقه القديم الأعمى والفاشيّ السابق، يسمعان محاورة عالية الصوت بين رجلين فيتعرّف مارسيلّو إلى أحدهما، وهو لينو الذي تحرّش به جنسياً في صغره. ويشتم أوّلهما الثاني بصوت مرتفع ويعيّره بالمثليّة الجنسيّة وبالفاشيّة، كما يتّهمه بالضلوع في اغتيال البروفيسور كوادري وزوجته. وفي سورة غضبه يشتم أيضاً صديقه إيتالو ويتّهمه بالفاشيّة، فيما تمرّ تظاهرة مناهضة لموسوليني في الشارع، فيبدو كما لو أنّه يسلّم للمتظاهرين لينو وإيتالو كي ينجو بنفسه. فـ «المطابق»، إذاً، جبان قضى حياته يكيّف نفسه مع الآخرين، كي «ينتمي» في الزمن الفاشيّ، إلاّ أنّه يرمي على الآخرين، في الأوقات الصعبة، مسؤوليّة ما تفعله يداه[5].

8

لكنّ الذي لا يريد أن «ينتمي» و «يطابق» هو الذي نقل تجربتَه إيتورا سكولا في فيلمه العائد إلى 1977 «يوم خاصّ».

والقصّة تتناول ربّة المنزل أنتونيتّا (صوفيا لورين) وجارها غابرييل (مارسيلّو ماستروياني) اللذين يبقيان في البيت في روما يوم زيارة هتلر موسوليني، حيث تتزيّن العاصمة بالصلبان المعقوفة والحُزَم الفاشيّة.

اليوم المقصود هو 8 أيار 1938، وفيه تخرج إلى الشارع عائلة أنتونيتّا كلّها، ما عداها هي، كي تشارك في الاستقبال. وبالطبع يكون على رأس المحتفين زوجها الفاشيّ إيمانويل، وهو شوفينيّ ذكوريّ يهين زوجته ويضطهدها، و«لا يعرف إلاّ إعطاء الأوامر»، إذ المرأة في الفاشيّة زوجة وأمّ مربّية وطبّاخة. وهي، كأمّ لستّة أطفال، تؤثر البقاء في البيت للاهتمام بمشاغله الكثيرة.

لكنّ الأمر أبعد من هذا: فالنساء، في التصميم الفاشيّ للمجتمع، مربّيات يقدّمن الحنان ويوفّرن الطعام، إلاّ أنّهنّ يغبن عن الحقل العامّ بما في ذلك الاحتفالات الجماهيريّة الحاشدة إذ لا يجوز لهنّ أن ينافسن، أو يهدّدن، احتكار الرجال وعضلهم وقوّتهم لتلك المشهديّة المركزيّة.

ذاك أنّ «الحرب للرجل تعادلها الأمومة للمرأة» كما كتب موسوليني على رأس نظام كانت إحدى مهمّاته زيادة النسل والإنجاب. ففي 1927، مثلاً، أعلن الدوتشي «معركة الولادات» وأنّ على إيطاليا التي كانت تعدّ آنذاك 40 مليوناً، أن تغدو 60 مليوناً في أواسط القرن. وإذ فرضت الحكومة الفاشيّة ضرائب على العازبين، فإنّها قدّمت معونات سخيّة للمتزوّجين والمنجبين، كما أُسّس عيد خاصّ للطفل والأمّ وأعطيت جوائز للعائلات الكبرى فيما مُنع الإجهاض وكلّ أشكال الحدّ من الإنجاب.

وعائلة أنتونيتّا الكبيرة تعيش في شقّة صغيرة هي جزء من مجمّع سكنيّ ضخم تكثر شققه التي تفرغ في ذاك اليوم إلاّ منها ومن غابرييل المقيم قبالتها والذي كانت تنفّره الفاشيّة، في موقف غير مألوف شعبيّاً آنذاك.

هنا يقيم الفيلم تناظراً بين العزلة الشخصيّة للأفراد وبين الحشد الملازم للفاشيّة. وتتكشّف بالتدريج الوحدة التي يعانيها الاثنان كما يتبيّن أنّ غابرييل مذيع في الراديو فقد مهنته، وأنّه يتهيّأ للنفي إلى سردينيا بسبب مواقفه السياسيّة كما بسبب مثليّته الجنسيّة، ولهذا فإنّه ينتظر قدوم البوليس في أيّة لحظة كي يسوقه إلى منفاه.

وأنتونيتّا التي لا تعرف هذا كلّه تتودّد إليه بشيء من الانجذاب الخفيّ فيما تقضي الصدفة (وهي أن طائر أنتونيتّا يهرب الى شبّاك غابرييل) بأن يلتقيا. لكنْ خلال محادثتهما، تفاجأ المرأة البسيطة والساذجة والتي تنتمي، سياسيّاً وفكريّاً، إلى التيّار الفاشيّ العريض، بآرائه «الشاذّة»، ثم تصدمها هويّته الجنسيّة «الشاذّة» أيضاً. لكنْ على رغم خلافاتهما ومشاحناتهما، تنعقد بينهما بسرعة صداقة تسبق مجيء البوليس وعودة عائلتها إلى البيت بعد استقبال الديكتاتور الألمانيّ.

لقد كان الصمت والخلاء الفرصة الوحيدة للقائهما، تماماً كما كانت الصدفة المحضة سبب اللقاء. مع هذا فمدبّرة البناية، وهي الوجه الشرير والتدخّليّ للنظام الفاشيّ، التي بقيت وحدها معهما في المجمّع السكنيّ، والتي تتجسّس على سكّانه، ترفع صوت الراديو الذي ينقل أخبار الاحتفال بما يعكس ظافريّة النظام. بهذا كانت المدبّرة تسدّ ما تبقّى من منافذ الهواء وتمنع كلّ انسحاب من الاحتفال إلى الحيّز الشخصيّ والخاصّ. والفيلم يحبك في سرده صوت الراديو بالمادّة الأرشيفيّة، جاعلاً الفارق ساطعاً بين الحياة الداخليّة لهذين الشخصين وبين صخب الخارج الموثّق الذي ينتقل الى الداخل من خلال راديو المدبّرة. وبدورها أتاحت الشبابيك المتقابلة تجاوُراً متوتّراً بين الوقائع، كما أتاحت التلاقي، الذي لا يقلّ توتّراً، بين شخصيّة المثقّف التي تضجّ بالميلانكوليا وشخصيّة الزوجة التي يتنافس فيها الجمال والتعب الناجم عن تدبير الأسرة والأولاد. فالاثنان يعانيان الافتقار الى الحبّ، ما يدفعهما في النهاية إلى سرير واحد، كما لو أنّهما بحبّهما هذا يندرجان في تلك الهويّة الإنسانيّة المشتركة التي يصعب حصرها وتقييدها.

والمكان يحتلّ أهميّة ملحوظة في الفيلم: ذاك أنّ المبنى البالغ الضخامة الذي يقيمان فيه، بالازو فيديريشّي، المبني بين 1932 و 1937، في عهد الذروة الفاشيّة، مثال قوي على النُصبية الاستبداديّة في تصميمٍ (ديزاين) مدينيّ. والمبنى هذا الذي أنشأه المهندس الحداثيّ ماريو دو رِنزي، إنّما يتألّف من مجموعة كتل سكنيّة طويلة تربطها في ما بينها ممرّات صاعدة إلى الأعلى وأقواس وساحات من النوع الذي يجعله «قطعة من المدينة». وكان فيديريكو فيلليني قد أرانا بعض هذا العالم السكنيّ، المكتظّ والمونوليثيّ في آن، في الجزء الأوّل من «روما فيلليني» الشهير.

لكنْ إذا كانت النوافذ تُستخدم في هندسة العمارة الحداثيّة لتمثّل الخفّة والشفافيّة، فإنّها هنا أداة لطمس العالم الخاصّ. بيد أنّ انعدام الفسحة الحرّة لا يلغي التحايل لتوفير عوالم خاصّة وموازية وخفيّة. فكلّما كان التقارب يزداد بين غابرييل وأنتونيتّا كانا يغدوان أكثر حرصاً على الابتعاد عن الشبّاك ورقابته، وعلى الحذر من عين المدبّرة التي لا تخفي مراقبتها لهما. إلى ذلك كانا يلجآن أحياناً الى السطح للّقاء، إذ الساحة هي لمؤيّدي النظام وحدهم، فيما الذين ليسوا كذلك عليهم أن يتدبّروا أمورهم في الزواريب والأنفاق الداخليّة للمبنى أو على السطوح. وهنا تتبدّى عبقريّة سكولا في استخدام المبنى كاحتياط فاشيّ، ولكنْ أيضاً كاحتمال في الاحتياط المناهض للفاشيّة، أي كنمط محرِّر ونمط قمعيّ معاً.

على أنّه حين يهبط الليل على المدينة، تكون أنتونيتّا الوحيدة التي تلاحظ شخصاً وحيداً يصطحبه شرطيّان، عبر ساحة المبنى وبوّابته المقوّسة، إلى المنفى.

9

لنا أن نقول، وفي الذهن الحالات السابقة، إنّ الفاشيّة هي منع التجارب الانسانيّة من الاكتمال. فالافتراق والهجرة والموت والتبديد هي حيث يتوّج الاجتماع الفاشيّ نفسه، يتخلّل دربَه ما لا حصر له من علاقات مَرَضيّة وساديّة ومازوشيّة.

فهل يستحيل النضج في ظلّ الفاشيّة، والحال على ما هي عليه؟ ربّما كان هذا ما قصده غونتر غراس في روايته «الطبل الصفيح» التي نقلها فولكر شلوندورف، في 1979، إلى فيلم سينمائيّ أقرب، هو الآخر، إلى كوميديا سوداء. فأوسكار ماتزيراث (ديفيد بينّينت) ولد في 1924 في مدينة دانزيغ (لاحقاً غدانسك)، ابناً أصغر لعائلة تنتمي إلى الكاشوبيّين، وهم جماعة إثنيّة ولغويّة صغيرة تعيش على الحدود الألمانيّة - البولنديّة. لكنّ الفائض التاريخيّ المضطرب لتلك المنطقة وجماعاتها وعداواتها، والذي انفجر مع صعود النازيّة وميلها التوسّعيّ، إنّما ترافق مع اضطراب عائليّ وشخصيّ بيّن. فهناك أب إسميّ هو ألفرد الذي انتسب إلى النازيّين، وهناك أب فعليّ هو جان برونسكي، ابن عمّ الأمّ وعشيقها، والبولنديّ الكاره لألمانيا.

الطفل أوسكار يقرّر، وهو في الثالثة من عمره، ألاّ يكبر، حيث يلوح الكبْر المحجوز استعارة على المناخ الثقافيّ الذي أتاح انتشار الفاشيّة. وحيال عالم تزداد صعوباته وتعقيداته، صار يكتفي بقرع طبله، وردّاً منه على إزعاج أو اعتداء أو محاولة لانتزاع الطبل منه، كان يوجّه صراخه الخارق والشيطانيّ باتّجاه أيّ زجاج فيكسره ويهشّمه كما لو أنّه يهشّم العالم المحيط بأسره. لكنّ أوسكار قرّر أن يكبر فقط مع انتهاء الحرب وسقوط النازيّة.

[1] كتبها لورين كِمبسكي روايةً شهيرة

[2] أعاد فيسكونتي اختراع تلك الليلة خرافيّاً في لوحة شهيرة، بوصفها جنساً جماعيّاً من شتّى الأصناف تتلوه مقتلة موسّعة ومافياويّة الطابع.

[3] وتمضي الكاتبة الأميركيّة: «فعلاقات السيطرة والاستعباد تتّخذ شكل التضخّم المميّز: حشد جماعات من الناس، تحويل الناس إلى أشياء، مضاعفة الأشياء أو تكرارها، وحشد الناس/الأشياء حول شخصيّة قياديّة وسلطويّة شديدة القوّة ولديها طاقة تنويميّة. ففنّ التأليف المسرحيّ الفاشيّ يتركّز على أعمال تبادل لجنس جماعيّ بين قوى جبّارة وألعوباتها التي يتمّ إلباسها زيّاً موحّداً وإظهارها في أعداد لا تكفّ عن التضخّم».

[4] لبس الزيّ النازيّ ليس، هنا، تفصيلاً. فهناك، وبحسب سونتاغ أيضاً، «فانتازيّات عامّة حول الأزياء الموحّدة. فهي توحي بالجماعة والنظام والهويّة (من خلال الرُتب والشارات والميداليّات والأشياء التي تعلن مَن هو لابسها وما الذي فعله: أي تقرّ باستحقاقه) وبالكفاءة والسلطة الشرعيّة والاستخدام الشرعيّ للعنف». أمّا صور تلك الأزياء الموحّدة فـ«موادّ إيروسيّة، فيما صور الأزياء الموحّدة للقوّات النازيّة وحدات فانتازيا جنسيّة ذات قوّة وانتشار مميّزين». وهذا لأنّ تلك القوّات كانت «التجسيد الأمثل لمبالغة الفاشيّة في توكيد صواب العنف والحقّ في امتلاك سلطة كاملة على الآخرين ومعاملتهم كناقصين مطلقين. ففي القوّات النازيّة بلغ هذا التوكيد كماله لأنّهم فعّلوه بطريقة بالغة القسوة والفعاليّة، ولأنّهم أسبغوا عليه الدراميّة عبر وصل أنفسهم ببعض المعايير الجماليّة». وتمضي سونتاغ في شرح نقطتها هذه ملاحظةً أنّ تلك القوّات قد صُمّمت كجماعة عسكريّة نخبويّة «ليست فحسب بالغة العنف بل أيضاً بالغة الجمال». وفي تفاصيل هذه الخصوصيّة التي يتمتّع بها الزيّ النازيّ، تضيف سونتاغ: «كانت الأزياء الموحّدة للقوّات النازيّة موضويّة (ستايلش)، صارمة القَصّة، مع لمسة غرابة (لكنّها ليست كثيرة). قارن هذا بالزيّ العسكريّ الأميركيّ المضجر ذي القَصّة غير الصارمة: السترة والقميص وربطة العنق والجوارب والحذاء ذي الشريط. إنّها أساساً ثياب مدنيّة بغضّ النظر عن مدى زخرفتها بالميداليّات والأشرطة. لقد كانت الأزياء النازيّة محبوكة وثقيلة وصلبة كما احتوت على قفّازات تحصر اليدين وعلى أحذية تثقّل الرجلين والقدمين وتصندقها، فارضة على لابسها أن يقف على نحو مستقيم». وتستشهد الكاتبة أيضاً بدعاية للزيّ النازيّ تقول إنّه «أسود، وهو اللون ذو الإيحاءات في ألمانيا. فوق هذا لبس الجنود النازيّون كمّاً ضخماً من الأوسمة والرموز والشارات التي تحدّد الرتبة». وهي تعدّد عناصر هذا الزيّ الذي يخلّف إحساساً بالدراميّ وبالخطير، كما بالمراتبيّ، فيما يُعلي من أهميّة الصورة (إيميج) على نحو يبثّ شيئاً من الفانتازيا الجنسيّة. ذاك أنّ «الفانتازيا كي تكون عميقة، ينبغي أن تملك تفاصيل».

[5] سبق لوليم رايخ، في كتابه الشهير «السيكولوجيا الجماهيريّة للفاشيّة»، أنّ حلّل ظاهرات مشابهة متوقّفاً عند دور القمع الجنسيّ في العائلة في إحداث التطابق الجبان هذا. فبسبب القلق المترتّب على قمع التربية المحافظة للرغبات الجنسيّة وللنزوع إلى التمرّد، تتمكّن اللاعقلانيّة من الأفراد محوّلةً إيّاهم أفراداً مذعنين وطائعين. وبذا تكون العائلة الأبويّة الصارمة، التي أرانا الفيلم ملامح سريعة عنها، تمريناً أوّليّاً على الانصياع للدولة الاستبداديّة والفاشيّة والتكيّف معها.