حازم صاغيّة


لم يترك الاهتمام بانهيار الأنظمة الشيوعيّة في أوروبا الوسطى والشرقيّة، مع نهاية الحرب الباردة، كبير مكان للاهتمام بما أصاب الأحزاب الشيوعيّة في أوروبا الغربيّة.

والحال أنّ سقوط جدار برلين، معطوفاً على تحوّلات داخليّة في البلدان الأوروبيّة، تكفّلَ بإنهاء الشيوعيّة في كلّ من إيطاليا وفرنسا، حيث شكّلت أحزاب المنجل والمطرقة، منذ الحرب العالميّة الثانية على الأقلّ، جزءاً عضويّاً من الحياة العامّة للبلدين المذكورين. هكذا نشأ الواقع الجديد، المهول قياساً بسابقه، مجسّداً في خلوّ أوروبا الغربيّة من الشيوعيّة، وتحديداً من حزبيها الأكبر: الإيطاليّ، الذي صار اشتراكيّاً ديموقراطيّاً، والفرنسيّ الذي ضمر وانكفأ إلى هامش ضيّق.

وقد يكون الأهمّ في هذا ما يمكن اعتباره بنية تحتيّة لهذا السقوط وذاك الخلوّ، وهي مدى التغيّر الذي لم يقتصر على الواقع والوقائع فحسب، بل طال أيضاً، واستطراداً، الأفكار التي بدت من قبل «ثوابت» لا تتغيّر، وأحياناً محرّمات يرقى التشكيك فيها إلى ارتكاب المعاصي. يصحّ ذلك في الموقف من السوفيات صحّته في المعاني المعطاة لـ «الثورة» و«الطبقة العاملة» و«ديكتاتوريّة البروليتاريا» وسواها من المفاهيم - الأيقونات.

ففي إيطاليا تعود نشأة الحزب الشيوعيّ إلى انشقاقه عن الحزب الاشتراكيّ في 1921، وكان هذا من جملة انشقاقات ضربت الأمميّة الاشتراكيّة الثانية في عموم أوروبا، بسبب الحرب العالميّة الأولى وثورة أكتوبر البلشفيّة في 1917. هكذا قاد أماديو بورديغا وأنطونيو غرامشي المجموعات الراديكاليّة التي انفصلت عن الاشتراكيّة الديموقراطيّة فكراً وتنظيماً، منشئين ما بات يُعرف لاحقاً بالحزب الشيوعيّ الإيطاليّ.

لكنّ شيوعيّي إيطاليا ممّن داهمتهم الفاشيّة وقهرتهم، تحوّلوا قوّة مؤثّرة بعد سقوط موسوليني وانتهاء الحرب العالميّة الثانية، وكانت مقاومتهم للفاشيّين، ومن ثمّ للاحتلال النازيّ، ممّا هيّأهم لهذا الدور الذي أنعشه الوجود الكثيف للمثقّفين والفنّانين في صفوفهم.

وفي 1944 عاد من موسكو إلى روما الأمين العامّ للحزب بالميرو تولياتي، ففاجأ الجميع بتعاونه مع المحافظين في كتابة دستور ليبراليّ جديد، وفي تسهيل التوصّل إلى تشكيل حكومة ديموقراطيّة. وقد جاء الموقف هذا ناهضاً على تفاؤل بقرب سقوط الرأسماليّة الإيطاليّة، التي سبق لموسوليني أن صدّعها، ثمرةً ناضجة في الحضن الشيوعيّ. فعلى رغم الاحتلال التحريريّ الأميركيّ، كانت قوّات الجيش الأحمر تتمدّد شرقاً، أمّا في الجوار المباشر لإيطاليا فكان «الرفيق» جوزيف بروز تيتو يستولي على يوغسلافيا، بينما الشيوعيّون اليونان يطمحون، من خلال الحرب الأهليّة، إلى الإمساك بأثينا. وأهمّ من ذلك أنّ الفقر الذي خلّفته الحرب العالميّة الثانية في إيطاليا، وفي عموم أوروبا، كانت تستحقّ الرهان على خلاص بروليتاريّ بدا لهم حتميّاً.

بيد أنّ الأمور لم تمض على هذا النحو الواعد. فالمعاناة الاقتصاديّة لسنوات ما بعد الحرب لم تنتج تطرّفاً سياسيّاً، يمينيّاً أو يساريّاً، كالذي شهدته الثلاثينات، ثمّ جاءت خطّة مارشال في الوقت المناسب لإطلاق إعادة البناء وتحريك دورة المال والاستثمار التي أتاحت فرص العمل لطالبيها.

وعلى أيّة حال بقي تولياتي، حتّى 1948، وزيراً في حكومات محافظة. إلاّ أنّ الأمور شرعت تتغيّر عامذاك، قبل سنة واحدة على تأسيس حلف الأطلسيّ (الناتو) ومع دبيب الحرب الباردة بين برلين وكوريا. فالولايات المتّحدة نزلت بثقلها، نفوذاً سياسيّاً ومالاً، للحؤول دون بقاء الشيوعيّين في الائتلاف الحكوميّ، إذ كيف يجوز، من وجهة نظر واشنطن، أن يطّلع على أسرار التحالف الغربيّ حزب متّهم بالتبعيّة لموسكو؟ وبالضغط والتمويل الأميركيّين للأحزاب المحافظة، لا سيّما المسيحيّين الديموقراطيّين، تمكّنت الولايات المتّحدة من إنجاز مهمّة الحجْر هذه فيما كان الشيوعيّون، بدورهم، يتلقّون دعماً ماليّاً من الاتّحاد السوفياتيّ استمرّ حتّى الثمانينات. هكذا، ولنحو 45 عاماً متّصلة، سيطر على الحكومات الإيطاليّة تحالف المسيحيّين الديموقراطيّين وأربعة أحزاب صغيرة أخرى، فكان لهذه الديمومة في الحكم، مقرونةً باستحالة التفكير في بديل مسموح له أن يحرز السلطة، أن أنتجت فساداً وضعفاً في الكفاءة أُخذا على إيطاليا حتّى كادت كلّها تُنمَّط بهما.

غير أنّ البقاء خارج الحكم كانت له منافعه كذلك. ذاك أنّ فساد المسيحيّين الديموقراطيّين وسوء إدارتهم ساعدا الشيوعيّين على إحداث اختراقات في صفوف الطبقات الوسطى. وسنة بعد أخرى، راحوا يقدّمون، من خلال المجالس المحلّيّة والبلديّات التي يسيطرون عليها، نماذج محترمة ومحمودة في الكفاءة ونظافة الكفّ، هم الذين تعلّموا من أحد أبرز مؤسّسي حزبهم، أنطونيو غرامشي، أهميّة التعويل على «المجتمع المدنيّ» مؤسّساتٍ وخدماتٍ وروابط وأفكاراً. كذلك أفاد الشيوعيّون من ضعف الحزب الاشتراكيّ الإيطاليّ، ما ثبّتهم مبكراً قوّةً مسيطرة وأولى في اليسار، إفادتهم من وجود عريق لتقليد العداء للإكليركيّة على مقربة من الفاتيكان، فخاطبوا هذا التقليد واستثمروا فيه.

وبين 1945 و 1953، وتحت وطأة الاستبعاد والمظلوميّة، حاول الحزب الشيوعيّ لعب دور يكاد يكون ليبراليّاً في بلد ليس معروفاً بقوّة الليبراليّة وتقاليدها. هكذا غدا بعض البورجوازيّين «المستنيرين» يصوّتون للشيوعيّين إذ رأوا فيهم قاطرة للاستقرار ولمكافحة الفساد، كما اعتبروهم ضمانة لدعم الثقافة وتحريرها من القيود والكوابح، بدليل معارضة الشيوعيّين للتحكّم الرسميّ بها ودفاعهم عن انفتاحها ومسّها بالمقدّسات.

ولم يكن تولياتي قليل الاستجابة للتحدّيات الإيطاليّة تلك. فقد نجح في استقطاب الطبقة العاملة في الشمال، لكنّه، إلى ذلك، عرف أنّه في بلد كبلده، وبسبب جنوبه الفلاّحيّ خصوصاً، لا بدّ من الاستعاضة عن ضعف البروليتاريا بقاعدة تأييد شعبيّ أعرض. وكان هذا الدرس اللينينيّ، المُحوّر إيطاليّاً، بالغ الإلحاح في بيئة محافظة لا تبخل بالمواقع القويّة والتقليديّة في مناهضة الشيوعيّة.

ثمّ هناك في الذاكرة الشيوعيّة الإيطاليّة ما يمكن تسميته عقدة بورديغا. فهذا الأخير الذي يُعدّ المؤسّس الأوّل للحزب، قبل أن يغادره، ارتبط اسمه بتطرّفين بارزين لم يستفد منهما إلاّ الفاشيّون. فكاشتراكيّ، وقبيل انشقاقه، عادى بورديغا الانتخابات والبرلمانيّة «البورجوازيّة» عداءً استجلب عليه نقد لينين وغضبه. ثمّ كشيوعيّ، رفض مبدأ «الجبهات المتّحدة» مع قوى أخرى تناهض الفاشيّة، واعتبرها من تعابير النزعة الإصلاحيّة للبورجوازيّة الصغيرة. وبالسياسة المتصلّبة التي اتّبعها بورديغا، وعارضها غرامشي قبل سجنه، سهُل على موسوليني أن يتقدّم ويتوّج تقدّمه بمسيرة الزحف الشهيرة على روما أواخر 1922. وهذا، على عمومه، ما حاول تولياتي تفاديه محقّقاً لحزبه انتصارات انتخابيّة متتالية جعلت الشيوعيّين، منذ 1948، يسيطرون على ما بين 22 في المئة من أصوات الإيطاليّين كحدّ أدنى و 34 كحدّ أقصى.

غير أنّ سوفياتيّة الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ بقيت عقب أخيله. فتولياتي معروف بستالينيّته، وبأنّه ثاني القادة الشيوعيّين في أوروبا الغربيّة قرباً من «أب الشعوب» وإذعاناً لمشيئته، بعد مجايله الفرنسيّ موريس توريز. وهو لم ينجح في الانفصال عن الماضي وعن موسكو، وإن عالج المشكلة بتوليد كلام مزدوج وغامض ظلّ لعقود مديدة واحدةً من سمات الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ ولغته السياسيّة.

على أنّ التحوّلات كانت تشقّ طريقها ببطء إلى قلب الحزب. فإلى «المعجزة الاقتصاديّة» التي ترتّبت على مشروع مارشال، بدأت، في 1958، «معجزة» دينيّة وثقافيّة أطلقها وصول البابا يوحنّا الثالث والعشرين إلى سدّة الفاتيكان بلبْرَلَته الكنيسة ومدّه جسراً يربطها بالحداثة. غير أنّ التحدّيات التي كانت تهبّ من «المعسكر الاشتراكيّ» كانت أثقل على صدور الشيوعيّين الإيطاليّين وأشدّ مباشرة في تطلّبها الإجابات. ففي 1953 نشبت انتفاضة العمّال في برلين، وفي شباط (فبراير) 1956 انعقد المؤتمر العشرون للحزب الشيوعيّ السوفياتيّ حيث كشف نيكيتا خروتشوف بعض ارتكابات الستالينيّة الكبرى، لكنّ هذا لم يلغ حصول المذبحة التي نزلت بعمّال بوزنان البولنديّة في حزيران (يونيو)، ثمّ قمع الثورة الهنغاريّة أواخر ذاك العام.

تلك الأحداث التي هزّت الشيوعيّين في أوروبا الغربيّة، لا سيّما مثقّفيهم، لم تردع تولياتي عن تأييد الغزو السوفياتيّ لهنغاريا بعد إبدائه الارتباك والحيرة بنتائج المؤتمر العشرين. هكذا غادر الحزبَ عددٌ من المثقّفين الذين وجدوا فرصتهم لتطوير موقفهم النقديّ وسحبه على موضوعات أخرى. وفي المعنى هذا جرى التنبيه إلى أنّ المعتقدات القديمة عن انهيار الرأسماليّة لم تعد مقنعة ولا كافية، وإلى أنّه بات ينبغي تقبّل الكثير من الاصلاحات الديموقراطيّة المرتبطة تاريخيّاً بالبورجوازيّة إذا ما كان لإصلاح إيطاليا أن يقلع.

وكان لافتاً أن تتزامن التطوّرات تلك مع توقيع معاهدات روما في 1957، حيث أعلنت ستّ دول أوروبيّة غربيّة، في عدادها إيطاليا المضيفة للمؤتمر، قيام «المجموعة الاقتصاديّة الأوروبيّة». بهذا، ومع تحوّل المقارنة بين الألمانيّتين والبرلينين جزءاً من كلّ نقاش سياسيّ، راحت تتزايد صعوبات الدفاع عن الاشتراكيّة السوفياتيّة في قمعيّتها وإدقاعها. وعلى العموم، سجّلت أواسط الخمسينات تراجعاً هائلاً في سحر روسيا، بجنرالاتها ومكتبها السياسيّ وكاريزما الجلافة الفلاّحيّة التي أُسبغت على خروتشوف. وإذ كانت أوروبا تغدو أغنى وأشدّ رفاهاً، كانت تنحسر، في الوقت نفسه، العواطف الحادّة للحرب العالميّة الثانية وقيمها. فأن تكون حزبيّاً ومقاوماً سابقاً أو مناضلاً محترفاً غدت صوراً تُرحَّل إلى الماضي من غير أن تستهوي الأجيال الأكثر شباباً بتطلّعاتها الغنيّة والملوّنة.

وبدوره، حاول تولياتي اللحاق بالمستجدّات هذه، معلناً انتسابه وانتساب حزبه إلى شيوعيّة «متعدّدة المراكز». لكنّ ذلك بدا قليلاً جدّاً ومتأخّراً جدّاً. فمع وصول جان كينيدي إلى البيت الأبيض في 1960 تعاظمت الأسئلة القاهرة: إذ فيما كان يرتفع مستوى معيشة الطبقة العاملة الإيطاليّة، كفّت الدعاية الفجّة عن أن تكون وحدها سلاح الأميركيّين في مواجهة الشيوعّية. وربّما كان كتاب ولت روستو في 1960 «مراحل النمو الاقتصاديّ: مانيفستو غير شيوعيّ»، بداية النزول الأميركيّ إلى ساحات المجادلة النظريّة. فقد رأى الكاتب الذي كان من صقور الحرب الباردة، وفي الآن نفسه تعبيراً عن خليط ليبراليّ - كينزيّ غير مألوف كثيراً، أنّ مجتمعاً يقوم على الاستهلاك الجماهيريّ هو التتويج الطبيعيّ للمشروع الحرّ، وهو العاصم، في الوقت ذاته، عن الشيوعيّة. وهذا ما جاء ضدّاً على رأي يساريّ شائع وسهل، إن لم يكن تآمريّاً أيضاً، من أنّ مجتمع الاستهلاك مصمّم لرشوة الجماهير بالسلع الاستهلاكيّة كي يضمن إذعانها لاستغلالها واعتصار فائض القيمة منها.

وقبيل رحيله في 1964، ترك تولياتي ما عُرف بـ «مذكّرة يالطا» التي كتبها ووجّهها إلى الروس، ناعياً تلك الميول المناهضة للديموقراطيّة في الشيوعيّة السوفياتيّة وموجّهاً إليها انتقادات شجاعة.

وبالفعل فمع أواسط الستينات، غدا الكلام صريحاً ومعلناً عن يمين ويسار داخل الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ، الذي شرّع إنشاء الأجنحة والكتل في داخله، حتّى إذا حضر الامتحان الجديد والكبير ممثّلاً في الغزو السوفياتيّ لتشيكوسلوفاكيا وسحق «ربيع براغ»، عام 1968، دانه الحزب إدانةً يجوز عدُّها مقدّمة لنقلات استقلاليّة أخرى. مع ذلك كلّف الغزو الروسيّ شيوعيّي إيطاليا خروج 300 ألف عضو من حزبهم الذي بات يعدّ قرابة 2,1 مليون عضو. وبعدما ارتفع عدد المصوّتين لهم من ستة ملايين في 1953 إلى 7,6 مليون في 1958، عاد لينخفض إلى 5,8 مليون في 1968 و 1969، أي قرابة 27% من مجموع المقترعين.

وقد أجاد عدد من القادة الشيوعيّين قراءة الإنذار، فخرج أحد قياديّيهم، جيورجي أمندولا، باقتراح بدا غريباً جدّاً آنذاك، هو التخلّي عن اللينينيّة وتشكيل حزب للطبقة العاملة لا يكون شيوعيّاً، فيما دعا قياديّ آخر هو بياترو إنغراو إلى حوار موسّع مع الكاثوليك. وفي شباط 1969، مع مؤتمر بولونيا، وبدايات صعود أنريكو برلينغوير سُلّم القيادة، سُجّل نقاش أكثر شفافيّة وعلنيّة ممّا كان دارجاً حزبيّاً، كما أبدى المؤتمر تعاطفاً معلناً مع ألكسندر دوبتشيك، ضحّية «ربيع براغ» (حصل ذلك فيما كان الوفد السوفياتيّ يتناول الشاي خارج القاعة، كما كتب بعض المراسلين الصحافيّين). لكنّ مؤتمر بولونيا لم ينس أيضاً توجيه التحيّة إلى الاتّحاد السوفياتيّ الذي كان لا يزال آنذاك مصدر نصف الموازنة الحزبيّة.

وعلى العموم جاء المؤتمر توفيقيّاً بين سائر اتجاهات الحزب وأجنحته، مع إيحاءات ووعود بشقّ وجهة أكثر انعتاقاً وتحرّريّة[1]

لكنْ في العام نفسه توجّه برلينغوير، بوصفه الأمين العامّ المساعد، إلى موسكو ليشارك في مؤتمر الأمميّة الشيوعيّة. هناك، كشف، هو ووفده، عن مغايرتهما الخطّ الرسميّ وتحفّظهما على البيان الختاميّ. أمّا خطابه، الذي لم يتوقّعه معظم الحاضرين، فرفض «فرض الحرم» على الشيوعيّين الصينيّين، وأكّد ما أظهرته «مأساة براغ» من خلافات جدّيّة داخل الحركة الشيوعيّة، في ما خصّ مسائل السيادة الوطنيّة والديموقراطيّة الاشتراكيّة وحريّات الثقافة.

وقد نمّ توجيه كلام كهذا إلى ليونيد بريجنيف بجبروته الطاغي عن القوّة التي بات يحظى بها الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ ويستشعرها في نفسه، ولكنْ أيضاً عن شجاعة نجمه الصاعد برلينغوير الذي مثّل جيلاً لم يتورّط بالستالينية. وبدا من علامات القوّة، خصوصاً في السبعينات، أنّ الحزب غدا أشبه بفيدراليّة قضايا وجماعات وأجنحة. وهذا بطبيعته يستدعي الرحابة تعريفاً بقدر ما يشي بتصوّر للحزب والحزبيّة أقرب إلى معناهما الغربيّ ممّا إلى التصوّر الحديديّ و«المركزيّ الديموقراطيّ» الذي أفتى به لينين في «ما العمل؟».

والحال أنّ برلينغوير ما إن تولّى الأمانة العامّة في 1972، حتّى تسارعت الخطى التي تدلّ على الابتكار وجرأة المبادرة معاً. ففي العام التالي، وتجنّباً منه لإثارة الولايات المتّحدة أو أيّ احتمال انقلابيّ في الجيش، طوّر برلينغوير، بمعونة المثقّف التقدّميّ غير الشيوعيّ نوربرتو بوبيّو، نظريّة «التسوية التاريخيّة» مع المسيحيّين الديموقراطيّين. هكذا استُبعد مبدأ تسلّم السلطة باسم الحزب أو من خلال ائتلاف يساريّ، ليُرهَن حدث ضخم كهذا بتفاهم مع الخصوم الإيديولوجيّين يفتح إلى الحكم طريقاً سلميّاً وتصالحيّاً.

ولمّا كان التقرّب إلى «الجماهير الكاثوليكيّة» ملحقاً طبيعيّاً من ملاحق «التسوية التاريخيّة»، كان للنهج هذا أن نفّر بعض الفئات الأكثر ليبراليّة في محيط الحزب الشيوعيّ. لكنّ اعتبارات أهمّ وأشدّ إلحاحاً كانت تدفع في هذا الاتّجاه الذي يموضع الحزب الشيوعيّ في يسار الوسط: ففضلاً عن ضرورة كسر الحجر المفروض عليهم أميركيّاً، تخوّف الشيوعيّون من الانقلاب الذي حصل في العام نفسه، 1973، على سلفادور أليندي في تشيلي. ذاك أنّ الانقلاب ذاك، المدعوم أميركيّاً، دلّ إلى أنّ الولايات المتّحدة لن تتسامح، في ظلّ الحرب الباردة، مع إمساك اشتراكيّين بسلطة «بلد حرّ»، حتّى لو وصلوا إلى تلك السلطة سلميّاً وبرلمانيّاً. وفي المقابل أخاف الشيوعيّين الإيطاليّين الاندفاع البريجنيفيّ، لا سيّما مع الأزمة النفطيّة التي انفجرت في ذاك العام مثيرةً آمالاً سوفياتيّة معلنة بعودة الثورة إلى الغرب، وتحديداً إلى إيطاليا، «أضعف حلقات السلسلة» الرأسماليّة الأوروبيّة.

بهذا انطوت «التسوية التاريخيّة» على سعي إلى توفير استقرار سياسيّ ينهض عليه تجاوز إيطاليا، بأقلّ الخسائر الممكنة، للأزمة الاقتصاديّة.

وقد انتعشت الآمال في 1976، مع ابتعاد ريتشارد نيكسون عن البيت الأبيض مصحوباً بهنري كسينجر، وحلول جيمي كارتر فيه. وتراءى أنّ هذا الأخير، الذي بكّر في إثارة قضايا «حقوق الانسان»، سيكون أقلّ تزمّتاً من سابقيه في تقبّل المشاركة الشيوعيّة في حكم إيطاليا. وبدورها جاءت الانتخابات العامّة لذاك العام تمنح الآمال مصداقيّتها، إذ نال الشيوعيّون أكثر من 34% من مجموع المقترعين، بالغين الرقم الأعلى الذي أحرزوه في مسيرتهم المديدة.

ومضى الشيوعيّون على الطريق إيّاه، فرحّبوا بـ «ميثاق 77» التشيكيّ، ثم نشرت دار نشرهم في روما «إديتوري ريوميتّي» كتباً ممنوعة في الاتّحاد السوفياتيّ. لكنّ الحزب، مع ذلك، ظلّ مائعاً ومتردّداً في تأييد المنشقّين السوفيات والأوروبيّين الذين يفرّون إلى الغرب. وتعويضاً منه عمّا لا يستطيعه، ذهب برلينغوير بعيداً في ما يستطيعه.

هكذا، وفي آذار (مارس) 1977، كان هو الدينامو المحرّك لإطلاق «الشيوعيّة الأوروبيّة» رسميّاً، ضامّةً إلى الحزب الإيطاليّ الحزبين الفرنسيّ والإسبانيّ، ومستقطبة عواطف أحزاب شيوعيّة صغرى في أوروبا الغربيّة.

و«الشيوعيّة الأوروبيّة» إعلان من شقّين: أنّ روّادها يلتزمون الديموقراطيّة البرلمانيّة فهماً وحيداً لمساهمتهم ونشاطهم السياسيّين، ويحترمون مؤسّساتها واشتغال تلك المؤسّسات، وأنّهم معنيّون، أوّلاً وأساساً، بالمصالح الأوروبيّة، لا السوفياتيّة، في ما يتّبعونه من سياسات خارجيّة وداخليّة.

وشيوعيّو إيطاليا الذين غدا تأثيرهم على معظم الشيوعيّين الأوروبيّين يفوق تأثير الحزب السوفياتيّ، كانوا استلهموا فكرة «الشيوعيّة الأوروبيّة»، بعد فكرة «التسوية التاريخيّة»، ممّا خلّفه غرامشي. ذاك أنّ كتابات الأخير حول النظريّة الماركسيّة كانت قد ساءلت عصبويّة اليسار وحضّت الأحزاب الشيوعيّة على تطوير أحلاف اجتماعيّة تشرط تحقّق «الهيمنة» التي تضمن تنفيذ التغيير. كذلك أثّرت فيهم أطروحات «الماركسيّة النمسويّة» في سعيها المبكر إلى شقّ طريق ديموقراطيّ «ثالث» إلى الاشتراكيّة.

هكذا لوحظ في النصف الثاني من السبعينات اهتمام أكبر باجتذاب كوادر القطاع العامّ ممّن ينتمون إلى الطبقة الوسطى، وعناية بالحركات والمطالب الاجتماعيّة الجديدة التي رعتها النسويّة والمثليّون، فضلاً عن العناوين التقليديّة في إيطاليا التي يتصدّرها موضوعا الطلاق والإجهاض. وهذا جميعاً متّن قنوات التواصل مع «بورجوازيّين» يتعارضون طبقيّاً، وقد يتعارضون سياسيّاً وإيديولوجيّاً، مع الشيوعيّين.

لكنْ في هذه الغضون، وخلال 1975–1979، انطلق خطّان متوازيان أريد لواحدهما أن يخفّف من غلواء الثاني. فمن جهة، تلاحقت وارتفعت انتقادات أنريكو برلينغوير للاتّحاد السوفياتيّ، مؤيّداً عضويّة إيطاليا في الناتو. ومن جهة أخرى، تكرّرت المناسبات التي صير فيها إلى تمجيد إنجازات ثورة أكتوبر والاصطفاف في مسائل «العالم الثالث» في موقع قريب من موسكو. وتجسّد الامتحان الأهمّ الذي رسم الحدود التي يمكن أن تبلغها المراجعة الشيوعيّة في الموقف من نشر الناتو صواريخ بيرشنغ وكروز في إيطاليا ردّاً على الحشد الصاروخيّ السوفياتيّ الموجّه إلى أوروبا الغربيّة. وخطّة الناتو هذه لنشر الصواريخ هي ما اعترف ميخائيل غورباتشوف، في مذكّراته اللاحقة، بأنّ دورها كان أساسيّاً في إقناعه بضرورة إنهاء سباق التسلّح ووقف الحرب الباردة.

لكنّ الشيوعيّين عارضوا نشر الصواريخ في 1979. وإذ وافقت الحكومة، التي كانوا يدعمونها، على نشرها، حاول بيرلنغوير التحايل على القرار، داعياً إلى تأجيل النشر والتفاوض مع السوفيات لإقناعهم بإزالة صواريخهم.

ومع حماسته العامّة للتحديث عارض الحزب الشيوعيّ، أواخر السبعينات، معظم الاصلاحات التي كانت إيطاليا في أمسّ الحاجة إليها، كخصخصة مشاريع الدولة العديمة الكفاءة والربحيّة، وتحديث قوانين العمل القديمة والجامدة، وإعادة النظر في أرقام التقاعد البالغة السخاء. وحين قرّرت «فيات» في 1980 فصل عمّال مسؤولين عن أعمال عنف ومتغيّبين عن العمل، وقف بيرلنغوير أمام مصنع ميرافيوري التابع لـ «فيات» محرّضاً العمّال على احتلال المصنع.

ولئن ذهب نقّاد برلينغوير اليمينيّون إلى اعتبار أنّ الطبع الشيوعيّ يغلب التطبّع الديموقراطيّ، رأى نقّاد أكثر تعقّلاً ونزاهة أنّ القياديّ الشيوعيّ يحاول احتواء قدامى الشيوعيّين الذين تُقلقهم سياساته، فيما ظهرت إشارات إلى تطويقه خطر انشقاق في الحزب مدعوم من موسكو.

على أيّة حال، بدا هذا السير على حدّ السيف محاطاً بظرف إيطاليّ بالغ الخصوصيّة. ففي 1978، وبينما كان في طريقه إلى البرلمان كي يمنح الثقة لحكومة جديدة شكلها للتوّ جوليو أندريوتي، خُطف ألدو مورو. وما أراد السياسيّ المخطوف منحه الثقة كان أوّل حكومة مسيحيّة ديموقراطيّة تحظى بتأييد الشيوعيّين من دون تمثيلهم المباشر. بل يبدو أن مورو نفسه، وهو رئيس حكومة سابق وقطب مسيحيّ ديموقراطيّ متحمّس لإشراك الشيوعيّين في الحكم، كان مَن هندس الحكومة تلك.

لقد جاءت «حكومة الطوارئ الوطنيّة»، على ما سُمّيت، تعبيراً عن انتصار بدأت تحرزه السياسات الجديدة للشيوعيّين. وهذا ما سمح بارتفاع أصوات كصوت ألدو مورو الذي جادل مُحقّاً بأنّ إتاحة المشاركة للشيوعيّين، في ظلّ تصاعد الارهابين اليمينيّ واليساريّ، يحصّن أمن الإيطاليّين على نحو أفضل كما يضمن السلام الاجتماعيّ. وبدورهم، فإنّ الشيوعيّين، بعد عمليّة الخطف الشهيرة، تصلّبوا فعلاً في رفض التفاوض مع «الألوية الحمراء» التي نفّذتها. كذلك لم يكن لقتل مورو بعد حين إلاّ أن ثبّتهم ورسّخهم في إصرارهم المناهض للإرهاب. وكان لمواقف كتلك أن حدّت من ردود فعل يمينيّة متطرّفة في بلد كانت فاشيّته أوّل ردّ فعل قارّيّ على البلشفيّة الروسيّة. لكنْ مع أنّ حزب برلينغوير استكمل مواقفه الرصينة والاستقلاليّة في 1979، شاجباً الغزو السوفياتيّ لأفغانستان، ثمّ رافضاً، في العام التالي، المشاركة في مؤتمر الأحزاب الشيوعيّة المعقود في باريس برعاية سوفياتيّة، ترك الخطف الذي نفّذه «يساريّون» أثره السلبيّ على الشيوعيّين. هكذا تراجعت الأصوات التي نالوها في انتخابات 1979، وعلى عكس اتّجاهات السبعينات، استقرّ تراجع التأييد في أوساط الشبيبة خصوصاً. ولم يتغيّر الأمر مع انفجار الأحداث البولنديّة خلال 1979–1981، إذ من جهة، انحاز شيوعيّو إيطاليا ضدّ السياسة السوفيّاتيّة مجدّداً، وتعرّضوا لاتّهام موسكو بالوقوف «في صفّ أعداء الاشتراكيّة»، فيما دفعوا، من جهة أخرى، ثمن شيوعيّتهم، سيّما وأنّ العلاقة الماليّة بالاتّحاد السوفياتيّ كانت لا تزال قائمة (توقّفت في 1984).

ومع انحسار الارهاب في 1981 وبعض التحسّن في الوضع الاقتصاديّ لإيطاليا، بات في وسع الأحزاب الحكوميّة أن تتخلّى ثانيةً عن الشيوعيّين إذ «الخطر» الشيوعيّ زال وانقضى. بهذا سقطت سياسة «التسوية التاريخيّة» وبدا لبرلينغوير ورفاقه أنّهم، وإلى ما لا نهاية، سيبقون يسدّدون أكلافاً باهظة من جرّاء تمسّكهم بالشيوعيّة، أيّاً ما كان المعنى الذي ضمّنوها إيّاه. وفي الأثناء هذه كان قد اختلف معنى مناهضة الشيوعيّة التي قُصد بها سابقاً ما يتراوح بين المكارثيّة والفاشيّة، لتكتسب مدلول التناحر مع الليبراليّة والديموقراطيّة.

ومع أواسط الثمانينات، بوفاة برلينغوير وخصوصاً صعود ميخائيل غورباتشوف، انتهى آخر ما تبقّى من أوهام العلاقة بالسوفيات الذين تكشّف نظامهم عن مزيج من القمع والأكاذيب والفشل. ولئن شاءت القيادة الغورباتشوفيّة هي نفسها أن تحدّ من العلاقة بـ «الرفاق» في الخارج، فهذا ما سهّل على الشيوعيّين الإيطاليّين كسر تلك الحلقة المفرغة والقاتلة.

وبالفعل ما إن هُدم جدار برلين حتّى بادر شيوعيّو روما، عام 1990، إلى حلّ حزبهم مُلقين عن أكتافهم عبء «الشيوعيّة» مرّة وإلى الأبد. هكذا صارت أكثريّتهم تتسمّى بـ « الحزب الديموقراطيّ لليسار» ثمّ، ومنذ 1994، «ديموقراطيّو اليسار» تعبيراً عن توسيع المسافة الفاصلة عن «الحزب» و«الحزبيّة» بمعناهما القديم. وإذ تسمّت الأقليّة «الحزب الشيوعيّ قيد التأسيس» وراحت تتآكلها الانشقاقات الشلليّة، نجحت الأكثريّة، بعد طول معاناة مع شيوعيّتها، في أن تعيد اختراع نفسها وتتحوّل طرفاً أساسيّاً في كلّ ائتلاف يواجه سيلفيو بيرلوسكوني وتحالفاته. وفي النهاية نشأ حزب اشتراكيّ ديموقراطيّ أوروبيّ وحديث تحتاجه إيطاليا على نحو قاهر.

بيد أنّ رحيل الشيوعيّة جاء جزءاً من سقوط العالم القديم بأكمله كما نشأ بعد الحرب العالميّة الثانية، وهي الحقيقة التي لاحت متأخّرةً لتوضح مدى العتق الشيوعيّ الذي عجز برلينغوير وأصحابه عن استكمال تجاوزه.

فالنظام السياسيّ الإيطاليّ بدا طويلاً نظاماً مغلقاً ما بين «كنيستين» شيوعيّة وكاثوليكيّة. وكان المدهش أنّ المسيحيّين الديموقراطيّين الذين جعلتهم الحرب الباردة حزب إيطاليا الأوّل، هم أيضاً دفعوا حياة حزبهم مقابل انتهاء الحرب الباردة وارتداد النقاش إلى الداخليّ والاجتماعيّ، بدل الاستراتيجيّ والجيوبوليتيكيّ.

ومع الفناء السياسيّ للحزبين الكبيرين، انفجرت الروابط المدنيّة والتعاونيّات الاقتصاديّة والمنظّمات غير الحكوميّة. وإذ تراجعت الايديولوجيّات الكبرى، لاح كأنّ روما تطلب دماً سياسيّاً جديداً. فبين 1992 و 1994 سُحب معظم القادة السياسيّين الإيطاليّين من التداول العامّ بسبب قضايا تتعلّق، على نحو أو آخر، بالفساد. هكذا شملت حملة القضاة الذين عُرفوا بـ «الأيدي النظيفة» أكثر من ثلاثة آلاف سياسيّ ورجل أعمال وإداريّ ممّن شكّلوا الظاهرة المسمّاة «تانجنتوبولي» (مدينة الرشوة).

وفي هذا جميعاً كانت فضيلة الشيوعيّين الإيطاليّين أنّهم اكتشفوا عتقهم وعملوا على تفاديه، الأمر الذي لم يخطر للشيوعيّين الفرنسيّين ممّن حشرتهم الأزمنة وتحوّلاتها في هامش لا يكفّ يضيق عليهم ويقرضهم.

والراهن أنّ الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ يشارك زميله الإيطاليّ الكثير من القسمات والملامح. وهو يشاركه خصوصاً التعرّض للتأثيرات التي خلّفها وجود الاتّحاد السوفياتيّ وسياساته المدمّرة. مع هذا ربّما كان أحد أبرز الفوارق اختلاف الاستجابة للتحدّيات بين الإيطاليّين والفرنسيّين، حيث عانى الأوّلون وبذلوا ما يمكنهم من جهد نظريّ وسياسيّ لتحويل المعاناة إلى أفكار تواكب المستجدّات وتستجيبها، فيما استنكف الأخيرون، إلاّ في ما ندر، عن مثل هذه المهمّة.

لقد نشأ الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ في 1920، في ظروف تشبه تلك التي أحاطت، بعد عام واحد، بنشأة الشيوعيّين الإيطاليّين: انشقاق عن الأمميّة الاشتراكيّة بسبب الموقف من الحرب العالميّة الأولى ومن ثورة أكتوبر.

لكنّ مشاركة الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ في حكومات بلده عادت إلى عهد «الجبهة الشعبيّة» في 1936، علماً بأنّه لم يُمثّل مباشرة في الحكومة التي رأسها الاشتراكيّ ليون بلوم استرضاء لليمين الذي لم يهضم أصلاً اشتراكيّة بلوم ويهوديّته.

إلاّ أنّه، وبعدما عُدّ الحزب الأوّل في اليسار، انتهت به الحرب العالميّة الثانية إلى نتيجتين متضاربتين: الأولى، إقرار بمكانته وبدوره في أعمال المقاومة للاحتلال الألمانيّ، بحيث وُزّر أمينه العامّ موريس توريز في حكومة شارل ديغول المؤقّتة (1944–1945)، ليغدو بعد التحرير، في 1946–1947، نائباً لرئيس الحكومة. أمّا الثانية، فكانت تحميله أكلاف السياسة السوفياتيّة وأكلاف التوتّر الغربيّ معها.

ومع أنّ فرنسا، كإيطاليا، اكتشفت، بعد الحرب الثانية، أنّ الثورة الاشتراكيّة ليست على الأبواب، فإنّ مثقّفيها طوّح بهم مبكراً هوى لم يكن بالضرورة شيوعيّاً، لكنّه كان يساريّاً ما لبث أن غدا سوفياتيّاً. ففي 1952، وفي «الشيوعيّون واليسار»، لم يتردّد مثقّف في حجم جان بول سارتر في نفي وجود الغولاغ، ليعلن لاحقاً، في 1954، في مقابلة شهيرة أجريت معه إثر زيارة للاتّحاد السوفياتيّ، أن «حريّة النقد كاملة» في موسكو. وهذه الصلة الوثيقة بين عموم المثقّفين الفرنسيّين وبين اليسار والماركسيّة، شكّلت ضمانة أخلاقيّة للشيوعيّين كما أكسبتهم بُعداً معنويّاً لا يقاس بالشعبيّة وعدد الأصوات الانتخابيّة.

لكنّ الأحداث الفاضحة للمعسكر السوفياتيّ، والممتدّة ما بين انتفاضة برلين في 1953 وثورة هنغاريا في 1956، وجّهت الضربة الكبيرة الأولى للحزب مصيبةً إيّاه في ظلاله الثقافيّة الوارفة. والحال أنّ الثورة الهنغاريّة شكّلت محفّزاً مبكراً لما صار لاحقاً اليسار الجديد في أوروبا. ففي بريطانيا، مثلاً، وهي ذات الحزب الشيوعيّ الصغير، انسحب من الحزب بعض كبار مثقّفيه ومؤرّخيه، ككريستوفر هِل وإدوارد ثومبسن. وفي إيطاليا، وكما رأينا، تسارع تحوّل الحزب الشيوعيّ إلى موقع أكثر استقلاليّة عن دوغمائيّات موسكو. أمّا في فرنسا نفسها ففصل سارتر نفسه بوضوح عن الستالينيّة. ولئن شهدت أوروبا الغربيّة عموماً هجرة المثقّفين من الأحزاب الشيوعية، فالهجرة كانت أكبر ما تكون في باريس. فقد غادر، مثلاً لا حصراً، فرانسوا فوريه الحزب، بينما طُرد منه، في 1958، هنري لوفيفر.

وثمّة بين دارسي الشيوعيّة الفرنسيّة مَن يردّون بداية انحسارها إلى أواسط الخمسينات، حيث أصيبت «الروح» بضربة قاصمة لا تحتملها أيّة حركة سياسيّة - ثقافيّة في فرنسا. لكنْ إذا تشاركت باريس وروما في الأسباب، بقيت هناك اختلافات ثلاثة. ذاك أنّ الحدث الثقافيّ ظلّ ذا وقع على الحزب الفرنسيّ أعلى طنيناً منه على الحزب الإيطاليّ، الأمر الذي يرجع إلى الحساسيّة والتقليد الفرنسيّين حيال الثقافة ومتفرّعاتها. ثمّ إنّ استجابتي الحزبين للتحدّيات، الداخليّ منها والخارجيّ، جاءت متباينة تماماً. وأخيراً، ولمّا كان الحزب الفرنسيّ أشدّ تحجّراً، بلا قياس، من الإيطاليّ، فيما شكّلت اشتراكيّة فرانسوا ميتران منافسة للشيوعيّين الفرنسيّين لم يبلغها اشتراكيّو إيطاليا الضعفاء، فإنّ الدور الأميركيّ في الحجر على الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ بدا أقلّ كثيراً منه في إيطاليا.

لقد بقي موريس توريز في الأمانة العامّة من 1930 حتّى وفاته في 1964، حيث حلّ محلّه فالديك روشيه الذي كان عليه أن يواجه الحدث التشيكوسلوفاكيّ الكبير في 1968، فواجهه بأن نأى بحزبه عن الموقف الواضح والصريح. لكنّ ما لم يستطع ممارسة النأي بالنفس حياله فكان ثورة 1968 الطلاّبيّة في فرنسا نفسها. فهذه، بالحالة المتأجّجة والمؤثّرة التي أوجدتها في الجامعات والمدارس، وعلى ضفافها، أطلقت ضغطاً ثقافيّاً وتحدّياً فكريّاً على الحزب الشيوعيّ الذي كان يسيطر آنذاك على أكثر من 20% من أصوات المقترعين. وقد بدا للطلاّب والمتعاطفين معهم أن الشيوعيّين خانوا الثورة بمحاولتهم حصرها في مطالب اقتصاديّة تتعلّق بالأجور، وأنّهم، بالتالي، طرحوا أنفسهم واحداً من أعمدة النظام، بالمعنى العريض للكلمة، ومن مكوّناته. فهم، إذاً، ينتمون إلى «الآباء» الذين يثور عليهم «أبناء» 68. ولئن أكّد الأخيرون على رحابة تطلّعهم إلى التغيير وإلى أبعاده المجتمعيّة والقيميّة، كان لإصرار «الآباء» على الأحاديّة الاقتصاديّة أن كرّسهم محافظين مناهضين للتغيير. ثمّ إنّ الشيوعيّين لم يقصّروا في إيضاح موقفهم، مؤكّدين الطابع البورجوازيّ الصغير للتحرّك، مع كلّ التذبذب الذي يُضفيه الماركسيّون عادةً على البورجوازيّة الصغيرة، أو منبّهين إلى قصور الحركة الطلاّبيّة بحكم تعريف ما يصدر عنها كنشاط غير منتج، يصنعه شبّان لم يدخلوا سوق العمل بعد.

والحقّ أنّ أيّار 68 مهّد لنهضة عرفها اليسار الفرنسيّ مع مطالع السبعينات، إلاّ أنّها كانت نهضة ملتبسة في ما خصّ الشيوعيّين وانعكاسها عليهم. ذاك أنّ اليساريّة لم تكن هنا أكثر من قاطرة لانتصار تحقّقه مثالات اجتماعيّة جديدة عن الفرد والفرديّة ضدّاً على مثالات فرنسا القديمة. فالعائلة والكنيسة والمدارس الجمهوريّة ونُظم التعليم والحزب الشيوعيّ والنقابات، والديغوليّة طبعاً، دخلت كلّها مأزقاً يطال شرعيّتها ولم تخرج منه، عنوانه: حقّ الفرد في تقرير مصيره. والحقّ هذا، الذي لم يُخفِ تأثّره بالولايات المتّحدة و«الأمركة»، ما لبث أن صار المعيار الأهمّ في تقرير الشرعيّة الاجتماعيّة[2]. فالنزوح الإيديولوجيّ البادئ مع أواسط السبعينات كان، في حقيقته، نزوحاً عن الدوغمائيّات اليساريّة والماركسيّة التي سيطرت منذ التحرير في 1944، والتي بدا، للوهلة الأولى، أن أيار 68 عزّزها. لكنّ ما تبدّى فعليّاً أنّ أيّار 68 صار من عوامل تصفية الارثوذكسيّة القديمة. فكثيرون من اليسار غير الشيوعيّ في 68 ما لبثوا أن غدوا مناهضين للشيوعيّة معيدين اكتشاف القيم الليبراليّة والدفاع عن حقوق الانسان.

وقد كانت هذه ضربة أخرى لـ «خرافة» الطبقة العاملة الفرنسيّة تلي الضربة التي وجّهها ازدهار دام ثلاثين سنة بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية. وبهذا التحوّل الذي أحدثه أيّار 68 صارت فرنسا، كمثل جاراتها الأوروبيّات الشماليّات، مجتمع أفراد مستقلّين ذوي «تطلّعات بورجوازيّة».

على أن انقشاع التغيّر الذي عصف بالحزب الشيوعيّ الفرنسيّ تباطأ قليلاً. ففي 1969 رشّح الحزب جاك ديكلو للرئاسة فنال في الدورة الأولى 21% من الأصوات، محتفظاً بموقعه الأوّل في جبهة اليسار. وفي 1972، مع حلول جورج مارشيه في الأمانة العامّة محلّ فالديك روشيه، وُقّع برنامج مشترك مع الاشتراكيّين كي تخاض بموجبه الانتخابات التشريعيّة في 1973، حيث نال الشيوعيّون 21,5 في المئة مقابل 19% للاشتراكيّ الذي حقّق قفزة ملحوظة ضيّقت الفارق مع حزب اليسار الأوّل. وكان مردّ هذا التغيّر إلى وصول فرانسوا ميتران إلى قيادة الحزب الاشتراكيّ الفرنسيّ، والذي سيكون له لاحقاً أثر هائل على مصائر الشيوعيّين.

وإذ أدّى البرنامج المشترك غرضه في انتخابات 1974 الرئاسيّة، بحيث خسر ميتران الرئاسة، كمرشّح ليسار موحّد، بفارق بسيط، جاءت المواسم الانتخابيّة اللاحقة كلّها لتسجّل تقدّم الاشتراكيّين وتراجع الشيوعيّين، لا سيّما في أوساط الشبيبة. ومع انفراط العقد الاشتراكيّ - الشيوعيّ في 1977، أتت الانتخابات التشريعيّة في 1978 تعطي حزب ميتران، وللمرّة الأولى، أصواتاً تفوق ما ناله حزب جورج مارشيه.

واقع الحال أنّ السبعينات، وامتداداً لما أطلقه أيّار 68، بدأت تصدّع شعبيّة الشيوعيّين، ولكنْ أيضاً جاذبيّة الماركسيّة نفسها. كذلك، وعلى نقيض الصلة المعهودة بين السياسة والثقافة الفرنسيّتين وبين الموقف الاستقطابيّ من الثورة الفرنسيّة، بدأت تتراجع وطأة تاريخ الثورة على صدر الحياتين السياسيّة والثقافيّة. هكذا شرع يظهر، في اليمين كما في اليسار، وجوه تحديثيّة وإجرائيّة أكثر منها إيديولوجيّة، كفاليري جيسار ديستان نفسه الذي فاز بالرئاسة في 1974، وكسيمون فايل، وميشال روكار، وريمون بار.

وعلى جبهة أخرى كانت معاني الطبقيّة القديمة تتغيّر. فالحزب الشيوعيّ العميق التجذّر في بيئة العمال اليدويّين، راحت قبضته على مقترعي الطبقة العاملة تتراخى، مع الثورة التقنيّة التي ظهرت بواكيرها أواخر الستينات. ولئن تولّى أيّار 68 إظهار النقابات كقوّة محافظة وقديمة، فإنّ علامات الشيخوخة والخوف من الانقراض بدأت تضربها، هي التي لم تمثّل أصلاً في فرنسا أكثر من خُمس القوّة العاملة. فوق هذا، كان للمكننة المتعاظمة منذ الستينات أن خفّفت من أهميّة العمل اليدويّ وقلّلت عوائده. وإذ مضت الصناعة في تطوير طاقتها العلميّة وتعويلها على العلم، راح الاستغلال المباشر للعمل يتزايد هامشيّةً فيما يتقلّص حجم الطبقة العاملة نفسها. وهذا ما كانت له تأثيراته على النظريّة، ولكنْ أيضاً على الخطط السياسيّة لحركات، كالحزبين الشيوعيّين الفرنسيّ والإيطاليّ، تسعى إلى اجتذاب ذوي الياقات البيضاء كي لا يلفّها برد العزلة. وفي المقابل، كان لنشأة طبقة المدراء وتوسّعها أن أدخلا تحويراً ملحوظاً على مفهوم «البورجوازيّة» بوصفها تملّكاً لوسائل الانتاج، ما طرح على الاستراتيجيّات الطبقيّة تحدّي المرونة والقدرة على التكييف والتكيّف.

في هذا المناخ، وعلى امتداد السبعينات، كان لا بدّ من تنازلات. وفعلاً مع المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعيّ الفرنسيّ، في شباط 1976، أُعلن التخلّي عن مبدأ «ديكتاتوريّة البروليتاريا» الذي استوحاه ماركس وإنغلز من نموذج الكوميونة الباريسيّة في 1871. لكنّ تقديرات ذهبت إلى أنّ الأمر أقرب إلى التكتيك منه إلى الاستراتيجيّة، بل هو بيع لما ليس في عهدة الحزب ولا في إمكانه. وقد قُدّر أنّ الحدث المباشر الذي أملى هذا «التنازل» أنّ «أرخبيل الغولاغ» لألكسندر سولجنتسين قد صدر في فرنسا عشيّة المؤتمر، مثيراً من الضجيج والاستهجان ما يصعب تجاهله.

وكانت التجربة التالية مع «الشيوعيّة الأوروبيّة» في 1977. ذاك أن جورج مارشيه استجاب دعوة برلينغوير، ومعه سانتياغو كاريّو، الأمين العامّ للحزب الشيوعيّ الإسبانيّ حينذاك. إلاّ أنّ تأييد الأوّل ما لبث أن فتر قبل أن ينسحب كلّيّاً من تلك الهرطقة ويعود أدراجه سوفياتيّاً.

ولئن أيّد الشيوعيّون الفرنسيّون غزو الاتّحاد السوفياتيّ أفغانستان، فإنّ التطوّرات البولنديّة في 1981 شكّلت إحراجاً يفوق إحراج «أرخبيل الغولاغ». والواقع أنّ العام نفسه كان مفصليّاً. فعامذاك توصّل ميتران ثانيةً إلى برنامج انتخابيّ مشترك مع الشيوعيّين، وقد قُيّض للتحالف هذا إيصال المرشّح والقياديّ الاشتراكيّ إلى الرئاسة الفرنسيّة.

لكنْ في الدورة الأولى لم ينل المرشّح الشيوعيّ جورج مارشيه سوى 15% من الأصوات، وكانت تلك النتيجة الأسوأ للشيوعيّين منذ 1936، فيما نال ميتران 26%. واعتُبر الرقمان هذان تعبيراً عن بدايات انفضاض بعض المعاقل العمّاليّة حول باريس وفي شمال فرنسا عن الشيوعيّين واتّجاه كثيرين من قواعدهم إلى التصويت لميتران.

على أنّ الأدهى والأمرّ جدّ لاحقاً. ففي ظلّ رئاسة ميتران رُبط الشيوعيّون بأجندته الاصلاحيّة، كما هجرهم مؤيّدوهم الأكثر اعتدالاً الى الحزب الاشتراكيّ، فيما عرّضتهم القوى التي على يسارهم لنقد جارح مفاده أنّهم أصبحوا مجرّد اشتراكيّين ديموقراطيّين متساكنين مع الرأسماليّة.

ولم يحل تسليم الشيوعيّين أربع وزارات تقنيّة دون إحساسهم بأنّهم مغلوبون على أمرهم، لا سيّما في مسايرتهم السياسة الخارجيّة لميتران. أهمّ من ذلك أنّ تأييد اليسار وحكمه بدأ يخبو سريعاً، فما كان من الرئيس الاشتراكيّ إلاّ أن قلب سياساته، مستعيناً بوزير ماليّته جاك ديلور، ومتخلّياً عن البرنامج المشترك والتأميمات الصناعيّة، ومن ثمّ مسقطاً الشيوعيّين من ائتلافه الحاكم.

وجاءت استقالة الوزراء الشيوعيّين في 1984 مصحوبة بافتتاح تراجع جديد في شعبيّة حزبهم. فمنذ أواسط السبعينات بدأت تتصدّع الصناعات التقليديّة في الشمال والشرق كالفحم والقصدير والجلد، كما خسرت الصناعات النسيجيّة ما بين ربع وثلث العاملين فيها ما بين 1975 و1982. وفي المدن الكبرى خصوصاً، انهارت القيود الاجتماعيّة القديمة التي فرضها الحزب الشيوعيّ والكنيسة الكاثوليكيّة، وظهر عدد كبير من العاطلين عن العمل أو «المستبعَدين» رجالاً ونساء، ممّن لا يجدون من الأعمال إلا الجزئيّ والمؤقّت والموسميّ ويتلقّون إعانات رسميّة. وهؤلاء كان ما يضاعف مرارتهم عيشهم على مقربة من عمّال مهاجرين وتنافسهم معهم. ولمّا كان الأخيرون في غالبهم مسلمين من بلدان المغرب العربيّ، فإنّهم غدوا موضوعاً لكراهيّة عنصريّة كما حُمّلوا، وغالباً ظلماً، مسؤوليّة الجريمة المدينيّة. يضاف إلى هذا كلّه اختفاء معظم ما كان متروكاً من الزراعات التقليديّة، بسبب جهود السوق الأوروبيّة لخفض فائض الانتاج من النبيذ والموادّ المشتقة من الحليب. كذلك طرأ توسّع في وظائف الخدمات الجديدة وفي الصناعات المتقدّمة التي راحت تزدهر في الغرب والجنوب الفرنسيّين مؤذنة بمرحلة انتقاليّة تحضّ على لغة وأدوات مختلفة. ومنذ أواسط الثمانينات خصوصاً، باتت الأرقام تجهر بالاختفاء التصاعديّ للطبقة العاملة القديمة والمتركّزة، فيما مضى الحزب الشيوعيّ في إصراره على أولويّة البروليتاريا الصناعيّة ومركزيّتها.

وكان لميتران مساهمات أخرى، مباشرة ومداورة، في إيذاء الشيوعيّين وإضعاف حظوظهم. فهو، بسينيكيّة واضحة، وبغرض تجزيء أصوات المعارضة، قوّى اليمين المتطرّف، لا سيّما «الجبهة الوطنيّة» الناشئة بزعامة جان ماري لوبن. بيد أنّه، في المقابل، حدّث فرنسا، ليس فقط لجهة التحدّيات التي طرحها على التراكيب القديمة، الشيوعيّ منها والديغوليّ، بل أيضاً لمصالحته اليسار الفرنسيّ البرلمانيّ مع الديموقراطيّة الليبراليّة، فضلاً عن رأبه الصدع الثقافيّ المديد في ما خصّ النظر إلى الثورة الفرنسيّة وميراثها. وبهذا جميعاً ساهم الرئيس الاشتراكيّ في جعل فرنسا جمهوريّة وسطيّة مستقرّة وأوروبيّة، وبالتالي في إنهاء «الاستثناء الفرنسيّ» الذي عاش قروناً.

صحيح أنّ سلوك الشيوعيّين في الإدارات المحليّة التي يسيطرون عليها ظلّ جيّداً عموماً، في إنارة الطرق وتنظيف الشوارع وأعمال الترفيه، بما فيها الثقافيّ أو الموجّه للأطفال. لكنّ الأمور الفعليّة والكبرى كانت تتـفّه هذه المواقف الإيجابيّة وتحدّ من انعكاسها الانتخابيّ. كذلك لم تستطع شعبويّة جورج مارشيه أن تنقذ حزبه. تندرج في هذا الفشل محاولته الاستفادة من العنصريّة النامية في أوساط الطبقة العاملة، بتأييده جرف بيت لعامل أجنبيّ على يد بلديّة يرأسها شيوعيّ، وتلاعبه على الأخلاقيّات العمّاليّة القديمة في حملة أخلاقويّة شنّها الشيوعيّون على المخدّرات.

فبين أواسط السبعينات وأواخر الثمانينات، توالى هبوب موجات ليبراليّة كاسحة في الثقافة أزاحت الماركسيّة عن تصدّرها للثقافتين الأدبيّة والجامعيّة. وقد استهدف هؤلاء المثقّفون، كجان فرانسوا ريفيل مثلاً لا حصراً، اليسار الفرنسيّ والاتّحاد السوفياتيّ، مع أنّ بعض تحليلاتهم بدا شبيهاً بتحليلات المحافظين الجدد في الولايات المتّحدة. كذلك أعلن مثقّفون ليبراليّون، كالمؤرّخ فرانسوا فوريه، عن قدوم «جمهوريّة الوسط»، حيث يتغلّب إجماع من نوع توكفيليّ على الانقسامات الايديولوجيّة القديمة، مقرّباً فرنسا أكثر فأكثر من الأنظمة الديموقراطيّة الليبراليّة في أميركا وبريطانيا[3]. وقد صار أكثر ما يوحّد المثقّفين الفرنسيّين في الثمانينات العداء للتوتاليتاريّة وإدانة قمع الاتّحاد السوفياتيّ وبوليسيّة نظامه. وهذا ما تمّ في موازاة الاكتشاف المتأخّر، إنّما المتصاعد، لنظام الغولاغ ولأعمال هنه أرنت وروايات جورج أورويل. فحين انفجرت بولندا في 1981، أضيف إلى تلك التوجّهات تعاطف غير مسبوق، في البيئة الثقافيّة الفرنسيّة، مع السياسات الخارجيّة لواشنطن.

وظهر الحصاد المرّ ظهوره الكبير في انتخابات 1984، حين نال الشيوعيّون 11% من أصوات المقترعين، وراحت تكبر كرة الثلج. ففي انتخابات 1988 الرئاسيّة أحرز المرشّح الشيوعيّ للرئاسة، أندريه لاجواني، 7,6 في المئة فقط، وفي الانتخابات التشريعيّة التي أعقبتها انخفض عدد نوّاب الحزب إلى 27 نائباً، مقابل 278 للاشتراكيّين وحلفائهم و271 لليمين الديغوليّ - الوسطيّ.

وبانهيار جدار برلين، انفجرت أزمة كبرى في الحزب، لكنّه لم يحلّ نفسه ولا غيّر اسمه، على ما فعل الإيطاليّون. ولم يقف تحجّر جورج مارشيه وعجزه عن رؤية المستجدّات عند حدّ. فقد اصطفّ وحزبه في مواجهة التحوّل نحو المشروع الأوروبيّ وتجاوز النطاق الوطنيّ، على ما دلّت معارضتهما اتّفاقيّة ماستريخت في 1992، بذريعة أنّ ما يُبنى هو أوروبا الأغنياء، لا أوروبا الفقراء والشغّيلة. وبتوكيدهم على الولاء للسيادة الوطنيّة، جنباً إلى جنب أقصى اليمين، تمسّك الشيوعيّون بدولة مركزيّة نابوليونيّة الروح والتركيب لم يعد ثمّة من يتمسّك بها.

لكنّهم وقد راحوا يخسرون مبرّرات بقائهم على نحو متنامٍ، امتدّ اليمين العنصريّ لقضم مواقعهم العمّاليّة الأشدّ رثاثة. ففي الثمانينات، وخصوصاً التسعينات، غادرتهم بعض الفئات الأقلّ تعلّماً والأشدّ تضرّراً من العولمة إلى «الجبهة الوطنيّة» ولوبن، لتنحسر حصّتهم، بحسب أرقام 1992، إلى 9%. وإذ تقاعد مارشيه في 1994 ليحلّ محلّه روبير هيو المعلن عن خطّة للتخفيف من اللينينيّة ولاجتذاب عناصر يساريّة غير شيوعيّة، فهذا لم يوقف التراجع ولا النزف الذي يغذّي شرايين لوبن وجبهته.

هكذا ففي الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة عام 1995، تمكّن الأخير من الفوز بـ 35% من أصوات الطبقة العاملة العاطلة عن العمل، مسجّلاً أنّ جبهته حلّت محلّ الشيوعيّين كأولى الحركات الاعتراضيّة في فرنسا.

صحيح أنّ الحزب الشيوعيّ عاد ليشارك، ما بين 1997 و2002، في حكومة الاشتراكيّ ليونيل جوسبان، إبّان رئاسة جاك شيراك. لكنّ خلافاته الداخليّة كانت تعصف به حيال تلك المشاركة كما حيال نهج الأمين العامّ الجديد. كذلك ففي الدورة الأولى لانتخابات 2002 الرئاسيّة نال هيو 3,4% فحسب من الأصوات، أي أقلّ مما ناله كلّ من المرشّحين التروتسكيّين أرليت لاغييه وأوليفييه بيزانسينو. هكذا استقال هيو وحلّت محلّه ماري جورج بوفيت.

والحال أنّ ما عجزت عنه وعود هيو لم تستطعه وعود بوفيت. ففي أثناء الاستعداد للدورة الأولى من انتخابات 2007 الرئاسيّة، راهنت الأمينة العامّة على نيل ترشيح المجموعات اليساريّة والقوى المناهضة للمشروع الأوروبيّ. لكنّها لم تسجّل إلاّ 1,9 في المئة، وكان الضعف ملحوظاً خصوصاً في مناطق «الحزام الأحمر» حول باريس. بهذا لم يحصل الحزب على التعويض عن أكلاف حملته، حيث يفترض بمن ينال التعويض أن يحرز 5% من الأصوات على الأقلّ. ثمّ، في الانتخابات النيابيّة للعام نفسه، حصل الحزب على 15 مقعداً فقط، فيما لا يحقّ للطرف الذي يحوز على أقلّ من 20 مقعداً أن يشكّل كتلة برلمانيّة مستقلّة به. هكذا تحالف الشيوعيّون مع النوّاب الخضر ونوّاب يساريّين آخرين لتشكيل كتلة برلمانيّة أسموها «اليسار الديموقراطيّ والجمهوريّ». ومذّاك صار البحث عن أخبارهم أشبه بالرؤية المجهريّة، فيما غدا متابعو تلك الأخبار أقرب إلى باحثين عن الذهب.

أمّا اليوم، في 2012، فلا تقول الانتصارات الانتخابيّة لاشتراكيّي فرنسا، وليساريّي اليونان، إلاّ أنّ الشيوعيّة القديمة قد ماتت تماماً. فما يحصل الآن، في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة الراهنة، هو اختلاف الأسئلة واختلاف الإجابات، وطبعاً اختلاف البيئة.

[1] راجع دونالد بلاكر، الوحدة في التعدّد: الشيوعيّة الإيطاليّة والعالم الشيوعيّ، أم أي تي، 1969.

[2] من أجل تحليل عن الفرديّة في فرنسا الستينات، يمكن العودة لمقال جيل ليبوفتسكي، أيار 68 أو صعود الفردية العابرة للسياسة، ترجم إلى الانكليزيّة ونشر في «الفكر السياسيّ الجديد: الفلسفة السياسيّة»، إعداد مارك ليلا، برنستون، 1994.

[3] أنظر سونيل كيلناني، مناقشة الثورة، ييل، 1993.