عباس بيضون


هل ولدت شاعراً. يلقي الشعراء تبعات شاعريتهم على كواهل النجوم والحظوظ والمصادفات. إذ لا يصدق أحد أن المرء يختار نفسه شاعراً، وأنا لا أختلف عنهم في ذلك. لم أختر نفسي شاعراً فذلك ليس خيار أحد لكني اخترت نفسي ناثراً فالنثر يُختار. ولدت في بيت ليس فيه سوى الكتب والكلام وعليه فقد تمرسنا بالكلام بسرعة تتعدى أعمارها والتمرس بالكلام ببساطة نثر وفن الكلام هو النثر. ربما كان اختياري عن رغبة بالتفرد، فالنثر كما كان عندنا ليس غرض الكثيرين وتعريف موليير للنثر بأنه الكلام لا يصح تماماً. شتان هنا بين النثر والكلام. فالكلام من مقام والنثر من مقام آخر. بل الكلام من لغة إذا جاز القول والنثر من لغة أخرى. أن تختار النثر يعني أنك اخترت، وانك شردت من الصف وسلكت حيث لا تجد كثيرين.

ربما اخترت النثر حين كان عليّ أن أكون شاعراً والشعر كالدين لا يُختار لكن يتنكر له ويُكفر به ويُخرج عنه. كلنا نولد شعراء لأننا نحسب الشعر فن الفطرة. ولأنه يحتاج منك فقط أن تولد وان تدرج في الحياة وان تعطى لساناً ولغة وقلباً وحساً ونفساً. الشعر هبة كالشمس وملكة عامة. يولد الناس شعراء لا يولدون ناثرين. شعراء لأن الشعر فطرة والنثر ليس فطرة. الشعر موجود بالقوة سواء تجسد أم لم يتجسد. إن لم يكتب المرء قرأ أو أحس أو أحب وكل ذلك عد من الشعر. كل تذكر مبهم وكل حنين وكل توق شعر وليس النثر هكذا فالنثر فن والنثر صناعة. وليس الشعر فناً ولا صناعة بل وليس كلاماً فحسب. يكون تلقياً ويكون إرسالاً ويكون حيث لا تلقٍّ ولا إرسال. أما النثر فأمر لا يتم في غياب أي من أطراف الثالوث. اعتدنا نحن العرب أن نقرن الشعر بالبداهة والطبع. ذلك أن الشعر عندنا موجود قبل الكلام وقبل النظم. الحياة شعر والطبع شعر ويقول المرء شعراً إذا جاشت نفسه بمواقف الحب والحزن والكره، الشاعر إذا طرب وإذا رهب، ببساطة الشاعر في كل موقف طرب أو غضب أو رهبة. وهذه كما حسب العرب أصول المواقف والأحوال كلها. إذ لا يظنون أن ثمة حالاً للمرء بعد الغضب والطرب والرهبة. الشعر أعظم الفنون في هذه الحال لأنه بخلاف غيره لا يحتاج الى فن، ولأنه بلغة العرب حمار الفنون، أسهلها وأكثرها اشتراكاً وأيسرها وأقربها الى الطبع. النثر بخلاف ذلك يحتاج الى أناة وتفكير وصناعة وتفنن وتطهر من أحوال الغضب والرهبة والطرب. تحضُّر وتغُّرب وإحالة والتواء. الشعر إنشاء. انه الكلام الذي يستحيل نفيه، لأن حجته فيه، ولأن وجوده وحده حجة. حمار الفنون بالطبع لأنه دائماً في الطريق المسلوك. ودائماً عود على بدء. فالبداهة والحقيقة لا يشبعان من أن يقالا ولا نفاد لهما. الحقيقة بسيطة أما المراء والكذب والجدال فمن صفات الشيطان الناثر الأكبر. التكرار والترداد لا يعيبان الشعر إذ المواقف الكبرى لا تمل من الإعادة. الشعر كالدين فن عام والاشتراك فيه لا يحتاج الى اسم والشعب الأكثر شعراً هو الذي لا يتمايز فيه الناس بل يتساوون، لذا فإن المحل الأنسب للشعر هو بحق بريد القرّاء.

هنا لا نشك أن ما هيّج الشعر مواقف وأحوال. وأن الكلام لا غرض له إلا الإفشاء والذكر والتأكيد والتثبت، أي الأمانة الكاملة والايجاب الكامل. هذه أمور لا تستوي مع التمايز والاختلاف ولا تصح إلا جامعة عامة. بريد القرّاء هو محل الشعر الحق الذي هو كالصلاة كلما استعيدت ازدادت خشوعاً، والترداد والجمع يجعل من الأغنية غالباً ما هي عليه، وحلم الكلام بلسان واحد حلم الشعر في الأساس.

فالشعر ليس بالضرورة اللغة المحض كما قيل ذات يوم. انه يهدف الى التأثير والإغواء والجذب وهذه بالتأكيد تتطلب اتصالاً مباشراً وهجومياً. انه الكلمة التي لا تناقش ولا ترد ولا تقاوم ولا قدرة على الدفاع ضدها. إذ لا قبل بمواجهة الصرخة أو اللهفة أو التوق أو الرغبة. التأثير الأقرب الى حب النظرة الأولى. ليس الحجة التي تتطلب حجة ولكن الحضور الذي لا يرد. ليس في الشعر بالضرورة حوار انه صيد الآخر والقبض عليه وإلغاء كلامه وتحويله الى مستمع ومتلق كامل، انه إغواء وشل إرادة وتعطيل مقاومة وتعطيل جواب، يجيب الآخر على النثر لأن النثر سجال، ولأنه فن يشترك المتلقي والمرسل ويتفنان فيه، أما الشعر ففن لا نتفنن فيه. فن لا قبل بقوله على أكثر من وجه، وصياغته على أكثر من نحو، وتقليبه ونفيه ورد أوائله على أواخره والتوليد منه أضداداً وأشباهاً.

للشعر قوة المثل. قوة اللغة التي لا تزال أماً. قوة الاشباه المحدودة، قوة الايجاب وقوة التأكيد، قوة التكرار التي هي من تردد الكلام ودورانه وافتراض الجمع فيه. قوة التجربة المتسامية الى مبدأ، قوة الأقانيم التي يصدر عنها، قوة الدين اليومي والدنيوي، قوة البداهة وقوة الإنشاء. انه أيضاً قوة الاتصال والاشتراك. ربما كان «الشعب» بهذا المعنى من الحاجة الى تنزيل دائم في غياب الآلهة، والى ذكر مستمر. قوة هي بالرغم من ذلك لا تحتاج الى قوة. قد تحتاج الى تجويد والى حسن أداء. لكنها نوع من تحويل الكلام الى طاقة والى تأثير. الطاقة هي ما يجعل الكلام، بلا ظاهر. انه قوة الغضب والفرح واللهفة والحزن. انه زخم واندفاع وتوق هو الكلام هو الذي يتجرد من كل زوائده بل ومن لحمه نفسه وجسده ليكون وتر هذه الطاقة وسلكها. كلام بلا ظاهر فهو عصب، وهو صوت على نحو ما، صوت الغضب وصوت القسوة وصوت الحب.

انه الكلام داخل الكلام. شيء يرتدي الكلام ويلبسه ويحوله الى صوت. ليس لهذا الكلام بحد ذاته عمق ولا مدى، انه متوحد كالشفرة. متوحد مع ذاته ومع موضوعه. الشعر قد يكون كذلك هو الكلام بلا وسائط. انه تقريباً أقصر الطرق، ليس مقاربة ولا ترجمة وإنعكاساً فهو الصوت - المعنى أو المعنى - الصوت، أو الدال - المدلول على نحو لا فكاك فيه، ولا رجاء كبيراً في فكه، وإذا كان الشعر يحرر العلامات - أي الدال من تعسف المدلول - فهو يفعل ذلك ليعيد وضع العلامات على نحو أكثر استغلاقاً وتعسفاً. إذا لم تعد التفاحة هي الشيء المفترض دون جدال انه تفاحة، فإن التفاحة تغدو في الشعر شيئاً لا يمكن تميزه والمقابلة ما بين داله ومدلوله، انه فقط شيء التفاحة (الصوت)، شيء التفاحة ولا شيء آخر سوى الضمانة المبدئية بأن لهذا المقطع الصوتي بالضرورة موضوعاً ما دام قد امتلك موضوعاً من قبل. ولقابليته الظاهرة في أن يملك موضوعاً. انه بالتأكيد حد الطلسم، لكنه ليس طلسماً، إذا كان الطلسم هو اعتبار الحرف والمقطع الصوتي بحد ذاتهما سلطة ومعنى من خارج اللغة، فإن «سحر» الشعر من داخل اللغة، حين تغدو لفظة التفاحة بلا معناها الأول تبقى شكلاً لغوياً، ومعانيها الأخرى توجد بضمانة معناها الأول. معناها الأول يختار المعاني الأخرى ويبقى قرينة أولى عليها، وخاصة حين تعز قرينة ثانية. قد توجد هذه المعاني وقد لا توجد فضمانة المعنى الأول فرض وتسليم. لكن اللغة كلها فرض وتسليم ولا تملك ضمانات أقوى. يولد الشعر بضمانة اللغة وقانونها. برعاية اللغة وقانونها. المستبد الأكبر يضمن المستبد الأصغر. التعسف يضمن التعسف. إذ يبدو الشعر في أحيان شرطيّ اللغة، فهو يملك تفويضاً منها ليصنع فيها على غرارها. أن يحرر ويفك ما يقبل مبدئياً الفكاك لوجود طرفين، ليبني ما لا يقبل الفكاك لبقائه حداً واحداً وطرفاً واحداً، وإذا كانت اللغة سجناً أكبر فإن الشعر سجن أصغر، انه تمرين حر على قانونها. حر لكنه يعيد إرساء القانون على هذه الحرية ليمنحه بذلك حقاً جديداً، فقد وجد كمسلّمة ويوجد بفضل الشعر كإمكان. لا نشك ان الشعر هرطقة في اللغة، لكنه الهرطقة الأكثر محافظة. ادعاء الشعر غالباً هو ادعاء اللغة، إذا كانت اللغة واحدة فهو واحد، لا يتفنن ولا يلعب ولا يترك وراءه ترجيحات شتى. انه الواحد وإن لم نعرفه ظل واحداً، بل دل استغلاقه على انه واحد ليس إلا، واحد وعلى هذا قابليته لأن يعم ويشترك ويجمع.

لا يتفنن الشعر فهو لغة وككل لغة فإن الشخصي فيها من آثار ولادة لا تلبث ان تغدو نافلة. والجزئي من تاريخ يصبح من التاريخ، والاعتباطي لا يلبث أن يصير قانوناً. القصيدة تتطهر بسرعة من دم الولادة الشخصية وبتاريخها وملابساتها، فهذا الكلام لا يصمد إذا لم تعد له قوة المَثَل، وإذا لم يكن واحداً بدون احتمال آخر أو بطرد كل الاحتمالات، وإذا لم يعد تاماً على نحو تنسى معه كل جزئية سابقة، وإذا لم يصلح ولو بالقوة والطموح والمبدأ، ليكون مشتركاً ولساناً جامعاً.

اللامعنى في المعنى

التفنن للنثر، النثر يقاوم اللغة، استبدادها واعتباطها وواحديتها. ففي تقليب الكلام على أكثر من وجه واستخراج ترجيحات واحتمالات منه وعرضه على النفي والتشكيك والبطلان... كل هذا يعني إخراج اللغة من جبريتها ودهريتها الى حال يغدو معه استبدادها نفسه أقل مهابة. اعتباطها واطلاقها ينزلان منزلة الخاص والجزئي. وأسبقيتها وتعسفها يتعرفان لما أقله المداعبة واللعب والمزاح والمراجعة. الدهري ينزل منزلة الظرفي وربما الزمني وربما الحاضر واليومي. العام ينزل منزلة الخاص والنسبي والجزئي، الواحد يتقلب ويتعدد. اليقين تتناوشه الشكوك والايجاب يعترضه السلب، واللغة يعترضها الحكي. ليس هذا بالطبع في مكنة الشعر لا مبدأه. الكلام عن ثورة لغوية في الشعر غير الكلام عن ثورة الشعر في اللغة وتثوير الشعر للغة. بدا للشعراء العرب ان على عاتق الشعر تفجير اللغة أو تخريبها، وحين تكلموا ذلك كان مثال السيرة الرامبوية والسيرة اللوتريامونية والسيرة الآرتوية نصب أعينهم. أقول السيرة لأن هذه وحدها كانت البرهان. خراب الأجساد من خراب الكلام وخراب النفوس من خراب اللغات، وكأن هذه لاحقة بتلك. أحسب أن العرب اعتبروا دائماً أن الشعر يقتل كالحب والحزن لأنهم لم يفرقوا الشعر عن الحب والألم، ولا بد ان هذا الإرث لا يزال راسخاً، وهو ارث جميل لولا أننا بالغنا في تصديقه. يموت الناس من الشعر ويموتون من الحب كما يموتون من الحياة ولا أعرف إذا كان في مقدورنا أن نبني على هذا. كيف يمكننا أن نفجر اللغة بالشعر إذا كنا بالشعر نزيدها صلابة أو تصلباً، إذا كان الشعر لغة مضاعفة تزدوج فيه العلامات وتستقوي العلامة بالعلامة. هل يكفي التنظير الستاليني للغة بلا ايديولوجيا لتحرير اللغة. هل تعد السيولة التصويرية والانزياح اللغوي تفجيراً للغة، وبأي وجه؟ هل البناء على وزن مفترض للجزالة القديمة هو التفجير الحق للغة، أم يفضي الى ذلك تحرير اللغة من أي وزن، أم السر في تعنيفها أم تبسيطها أو هلهلتها.

لا يفسح الشعر مسافة كافية للهزل، وإذا هزل بات الهزل الظاهر من غير مادته. ليس جداً كله، فللفكاهة السوداء حيز فيه، لكن ماذا نقول في كلام لا يمكن العبث به، ولا يمكن أن نزيد فيه أو ننقص منه، شأننا مع القانون والتنزيل وكل كلام علوي، كلام يقيس على نفسه وحده ولا يتقبل ثانياً. الجد واليقين قائمتا العبارة قبل التعبير في الشكل اللغوي نفسه، وكل فكرة، إذا جاز الكلام عن الفكرة، تكتسب من هذه اللغة الواحدية جزماً وقطعاً، والأرجح أن العبارة في الشعر لا تتقبل إلا الأقل من التعبير. بل لا تتقبل سوى التعبير الذي يصادف أنه طاوع نَفَس الكلام وايقاعه، بل النفس الذي لابس تعبيراً. الفكرة كفكرة نابية في النص كما هي السخرية كما هو الوصف كما هو السرد كما هو التعليق كما هو الاحتجاج كما هو كل شيء آخر. إذا قيل ان هذا شعر احتجاج أو رفض جاز لنا أن نبتسم، فالشعر يكاد أن يتحرر من كل قصد ومن كل إرادة وغرض مسبق. ثمة هذا النَفَس الذي يولّد التعبير. الصوت الذي يولد الدلالات. ثمة أولاً هذا الوزن (النثري أو التفعيلي) الذي يسوق الكلام ويختلج بالتعبير، أو تبدو التعابير من تفاوته ووتائره وتردده وتشكيله. ليس لنا أن نتحدث عن معان وتفكير إلا على نحو خاص، فهذه من إبهام الشعر كما أنه كله إبهام، وقد يكون هذا الجيشان بالعواطف والتأملات والأفكار والأشواق من أوهام الشعر في عامته. كل هذا قد يكون من خلّب الشعر ومن ترائيه وتظاهره، وربما خداعه الصوتي، نظير الخداع البصري. الشعر بهذا المعنى سراب وان يقال فيه أو أن لا يقال سيان. الأرجح أن ما ينفد الى الشعر من تعبير أقل من أن يسمى تعبيراً. أقل من أن يسمى وجداناً أو فكراً أو مزاجاً أو حكاية، وقراءة الشعر على انه فكر أو فلسفة أو علم أو تحليل هي غالب الأحيان قراءة نوسترداموسية. الإبهام الفلسفي والإبهام الفكري والإبهام النفساني أو السيري أو الحدثي كلها لا تعطي لطالب التأويل شيئاً.

ليس في الشعر من فكر وفلسفة وسبر وحدس وتعبير بالتالي سوى ما يخص الشعر نفسه، أضغاث أفكار ومعانٍ وأشكال أفكار ومعان، ما أقل ما نقول في الشعر وما أكثر ما يقول هو، ما نقول وما يبدو انه أفكار ومعان تظاهر للقول الشعري، انه نوع من العودة للخارج ليستدل في سيره الأعمى على محطات وصوله. ثم يعود الى مسيرته الداخلية. الكلام يتفتح من نفسه ولكن في نفسه وداخله أيضاً، وإذا بدا انه نطق باسم أو عنوان أو فكرة فلكي لا يفقد طريقه ولكي يتنفس بعد أن أوغل في ذات نفسه الى حد كاد معه ان يفقد الهواء. انه ببساطة يرفع رأسه الى السطح من وقت الى وقت ثم يعود الى أعماقه. هل نجرؤ على القول ان الشعر يقول نفسه وحدها. وإذا كان يقول نفسه فماذا فيها سوى الفراغ، سوى سراب الأشياء والمعاني والأفكار. إذا كان يقول نفسه فماذا فيها حتى يمكن الغوص فيها الى حد الخشية من فقدان كل أثر، ماذا فيها إذا كانت في النهاية نوعاً من تبديد الأشياء أو تحويلها الى سراب. لا يبقى شيء في الشعر إلا إذا فقد هويته وبات تراثياً. لا يبقى شيء في الشعر إلا وقد صار صوتاً نَفَساً، لا يبقى إلا وقد ارتد اسماً وشكلاً. كيف يمكن توليد فكرة من محض همهمة ودندنة. كيف يمكن توليد مشهد من بحت حداء. هل هو سحر أو كالسحر، عالم خلّب وخداع صوتي أو بصري. هو هو خلق من فراغ. هل هو تفريغ الأشياء والأفكار وتحويلها الى أشكال. تفريغ لأن ما يفعله الشعر بالكلمات والأشياء فعل تفريغ وتجويف قبل كل شيء. هذا الوحش الذي يأكل قلب الأشياء وأحشاءها ويتركها عدماً أو كالعدم. هل يبدأ حقاً من خداع طفولي، من الأصوات الأولى، أصوات الرغبة واللهفة والغضب والطرب ليذهب الى لامكان. هل يخدع إذ يبدأ من أصوات قريبة. هل يخدع إذ يجوف الأشياء ويتركها بلا هوية، داخلاً فحسب أو بلا داخل على الاطلاق. هل يخدع إذ يتموج ويتمرأى بأفكار ليست أفكاراً ومشاهد ليست مشاهد، وكأنه علبة اللاحقيقي وفانوس اللاحقيقي. هل يذهب بعيداً حقاً أم في ذبذباته توهم بالبعد والتجوال والرحلة. كل قصيدة رحلة في النهاية فالشعر أوذيسة، أهي حقاً كذلك أم أنها بحق تهاويم الأعمى وما يرى هو ما يتخلق من وهم البصر والرؤية. لعبة الوهم وهل الشعر صناعة الوهم أو البناء من وهم. هل هذه أفكار خلّب وأضغاث وسراب معاني. أم أنها حقاً ما يتخلّق من المرور في هذه المنطقة المعدومة قرب اللامعنى. هل ينفذ الشعر الى بلاد عجائب اللامعنى الذي هو القطب الآخر ولا نعرفه إلا فرضية. هل يقدر الشعر على أن يجد في مروره طاقة ولغة وأشكالاً، إشارات بل حقائق، أن يجترح من السلب، أن يكون الفكر والمعاني والحدس في هذه الاشارات المقلوبة للامعنى، التكاوين الفريدة والناقصة والسرية له. أيكون إذن للشعر هذا الفكر الذي ينتمي إليه والقص الذي ينتمي إليه وحده والمشهد الذي ينتمي إليه. أيكون الشعر وحده في الشعر وما تظاهرات المعاني والأفكار والمشاهد سوى ما يتموج فيه ويتراءى ويتردد. سوى ما تهم به الأشكال والإشارات المتولدة على شاشته. أيكون شأن الشعر تجويف الأشياء والمعاني، أي ردها أشكالاً فحسب، أشكالاً معكوسة. أيكون هنا اللامعنى في المعنى، أتكون حقاً المعاني المعكوسة، اللامعاني، المعاني الناقصة أو وهم المعاني. أيكون الشعر نوعاً من المحاكاة، إذا تذكرنا أفلاطون، محاكاة التوق واللهفة، محاكاة المنى ومحاكاة الحس وفي النهاية تعود الأصوات أصواتاً، ولا نخرج من الجملة المغلقة إلا بتبديدها.

لا نخرج من الشعر إلا بخسارة الشعر، ليس محاكاة فحسب، انه ايهام التوق واللهفة والفكرة، بل لنقل انه الجيشان بها، والمهم اننا لا نخرج من الشعر الى نثر أو فكر أو علم، لا نخرج من الشعر الى شيء، الى تفسير أو تأويل الى علم آخر، الى معنى آخر وفكرة أخرى، فما يحصل في الشعر يبقى في الشعر، وما فيه ينتمي إليه والتلقي والإرسال تقريباً من عيار واحد، إذ يفعل المتلقي ما يفعله الشاعر هذا المرور قرب اللامعنى في هذا الترائي العجيب، وبعدئذ لا شيء يبقى لدى المتلقي ولا الشاعر. لا شيء، فالقراءة مرور فحسب، القراءة أيضاً استدلال أعمى وتحسس لجلد اللغة الغامض والعبور في بلاد عجائب اللامعنى، وليس بعد ذلك سوى التذكر المبهم لصلات وعلاقات وتكاوين وبداهات وقوانين وسنن وتراكيب وصور ومشاهد هي كلها تظاهرات اللاحقيقي، الذي لا يسعنا إدراكه إلا حين نمر قربه وحين نعبر في هوائه ونراه بأعين اللامعنى المفتوحة.

الحدث الشعري

هل ولدت شاعراً، نولد كلنا شعراء وحكاية بريد القرّاء ليست مزحة. الشعر هنا لا يحتاج الى مؤلف، نتكلم شعراً حين نتكلم حباً أو حزناً أو حماسة أو شجاعة أو شكاية، ولا نقوله ظالمين جبناء خونة. يبدأ الشعر من أحبك ولا يبدأ من أخونك. وإذا بدأ وجد وصار بالكلمة ومن دونها. إذا قيل فهو رسالة للمحبوب وللعشاق جميعاً، فالكلام واحد والذات واحدة. ليس أسهل على الشعر أن يتزيا بأثواب العشاق أما أنا فلم يكن لي قلب العاشق ولا سهولة كلامه. ما ان راهقت بعد طفولة متوحدة حتى أدركت صعوبة الكلام المباح. كان رأسي دائماً أوسع من كلامي، إذ الكلام مسطح والفكرة مقعّرة محددة، وطالما حاولت أن أدير الكلام الى هذه الأخاديد والثنايا والتحتيات فلا أجده. بدا أن كل حياتي باتت في هذه الأخاديد وانني لا أجد شيئاً أريد أن أقوله إلا دقّ عن كلامي. أفكر وحدي ولا أجد كلاماً لي وحدي. لذا واصلت دفاع طفولتي التي قضيتها مختبئاً. اختبأت في رأسي وفي داخله. جعلت أصنع لغتي. أقطع الكلام وأسله وأكسره وأشعبه ليكون على قدر أفكاري. ولم يكن في هذه اللغة المتفاوتة المتباينة اللولبية شيء يلائم النشيد والغناء، لم يكن على ايحاء ولا على سيماء الشعر. كنا أسرة نثر، نطرد المشاعر الى الكتب والصمت وأحياناً الانهيارات العصبية، ونتكلم عن أشيائنا وذواتنا دون رحمة السخرية. والسخرية كانت تقريباً فني، أو هكذا تراءى والسخرية تصنيع وتفكيك ومفارقة، فن حساب وموازاة، حساب الخسائر والتفاوتات وعلم مسافة بالدرجة الأولى. علم سلب وشكوك وتجديف. ثم كان هناك هذا النوع من الثقافة الذي لا يسمح بأي اجتزاء ويربي معلمي فكر صغاراً لا سبيل الى تقسيم أدوارهم ولا حصرها. الكل موجود في الكل، والخروج من العام الى الشامل. كنا فجأة ذواتا ثقافية شاملة، نحمل على عواتقنا عصراً بأكمله وانقلاباً تاماً. وأخشى ما نخشاه أن يتبعّض هذا الانقلاب وتفترق أهدافه. نريده في الدولة والفكر والحب والشعب والفن والنفس دفعة واحدة، ولا نجرؤ على تفريق ذلك وتخصيصه.

كان الشعر «وحده» هراء والشاعر «وحده» ادعاء صغير. كنا الأعين الواسعة لهذا الزلزال الانقلاب ويكفينا أن نحمله في أحلامنا. كنا كل شيء شعراً ونثراً وفكراً وفناً وعسكرية وسياسة وفعلاً في وقت واحد. بل كنا كل شيء فعلاً مستقبلياً مؤهلاً وأشخاصاً مؤجلين وحياة مؤجلة وعصراً مؤجلاً. في الاستراحة والانتظار لا نفعل سوى الانتظار وعياء الانتظار وكسل الانتظار.

لم أولد شاعراً ولا أعرف ماذا ولدت، كان الكلام لم ينقسم بعد تماماً الى شعر ونثر، وتأخر كل شيء حتى انقسم. كانت هناك تلك القدرة السحرية على التماهي التي تجعلنا بلا صورة ولا شخص، نحيل وجودنا وذواتنا كل مرة على وحدات كبرى في خلدنا لا تنقسم. تأخر الوقت حتى انقسمنا الى ذوات وانقسم الكلام وانقسمت الثقافة، تأخر الوقت حتى بدأنا الحب والحياة والكتابة.

لم أولد شاعراً لكني وجدت نفسي أكتب فرض إنشاء شعراً، وأكتب في الرابعة عشرة رزمة من القصائد لأشترك في حفل لشعراء المدرسة، ولأكون في المستوى، كتبت عموديات أصلح والدي بعض أوزانها وتفعيلات لم أقدر لها النجاح.

كتبت قبل الرابعة عشرة وبعد الرابعة عشرة، لا لأنني شاعر بل لأننا لم نجد ما نكتبه سوى الشعر. ولم أصدق انني اخترت الشعر إلا حين وجدتني أكتب قصيدة لنفسي. لم يكن الوقت متأخراً، في السادسة عشرة على ما أظن كتبت قصيدة وسلمت بالشعر، في السابعة عشرة أحرقت ولم أحرق مجموعة من الشعر لأني لم أجد سوى ذلك احتجاجاً على وفاة أخي، أو لم أجد غيره عقاباً لي على موته. في الثامنة عشرة وربما السابعة عشرة اهتديت الى قصيدة النثر لكن شيئاً من هذا لم يرس. ظللت محتاراً بين الشعر والنثر. كتبت مسرحاً وقصصاً جرياً على قراءات. لكن نفسي فاجأتني مرات بأنها لا تجد ملكة فيها لفن قدر ما تجد للشعر. فاجأتني نفسي مرة بعد مرة لكن هذا لم يتواصل، هبات فحسب، هبة في فندق رخيص في مصر وقصيد طويل على غرار الترجمة الأدونيسية لبيرس، هبات شعر ونثر، لكني وليست وحدي، أمضيت هذا الوقت متجاذباً من نواحٍ شتى، نواح غامضة غالباً، كنت دائماً منهمكاً في لا شيء، غارقاً ومؤجلاً. والأرجح ان العمل الحزبي كان فيما بعد حصيلة هذا التجاذب والعطالة والخوف من الإرادة الشخصية. كان هناك هذا الغرق في الاجتماعات واللقاءات وبدون لحظة شخصية. كنا لا نفعل شيئاً وفعلنا كل شيء. مجموعة قصائد من وحي «عرق الدم» لبيار جان جوف وبعدها همود طويل. كان السجن عاراً فعلياً لكني لم أُحرج. ففي السياسة كما في الشعر لا نصدق أنفسنا، اللاحقيقي لعبتنا هنا وهناك لكن السجن كان أثقل من موازينها. كسر شيئاً ولم تحتمله خفة، بل هباء، حياتي آنئذ.

لم أخرج ولأنني لم أخرج زدت بطالة. في السجن علمت أنني لم أصدق نضالي السياسي مرة ولم أنتظر منه أي شيء. لم أعول في حياتي على شيء. كان هذا مرضي بالتأكيد، فانعدام الايمان يكون غريزياً وبيولوجياً أكثر منه تعقلاً.

عشت دائماً قرب اللاحقيقي، واستطعت أن أحمل نفسي وأن أقيم هناك، قادراً على أن أملأ حياتي بأنصاف وأرباع وأحياناً بأصفار. جعلت من اللاحقيقي انهماكي وشغلي وأحياناً معركتي. في السجن شعرت كيف ينقلب اللاحقيقي علينا وكيف ندفع جزية باهظة لتظاهرنا. كان النضال السياسي قريباً من الشعر. هنا أيضاً اللعبة المضادة للاحقيقي، الصوت الذي يعلو على الايمان. أليس الشعر خطاب اللاحقيقي بل جنته، أرض عجائب اللاحقيقي، حيث لا تسود سوى العجائب. ألست ترى ان النظم والمعنى والصورة كلها ستكون تظاهرة. ندندن وفجأة تتكلم الدندنة وتخرج الكلمات.

تنساق الكلمات في جمل وهمية دون أن تكون جملاً، وتظهر المعاني على أغصان الجمل ويعلو معمار ليس معماراً. وتتوهم جزراً ونداءات قبل ان تعود الدندنة ويتوارى كل شيء. الشعر مرور في لحظة تفتح اللاحقيقي، القراءة والكتب سيان كلاهما مرور، ليس الى شيء، لكن ملامسة اللامعنى لا تختلف عن ملامسة الحقيقة، فهنا أيضاً نصل الى المركز.

لم أقصد شيئاً، وجدت الجملة الأولى، وهي اختارت الثانية، بعد ذلك بدأ الكلام يموج بتهويم مدينة وولدت قصيدة على حجر ماء. لم أكن فكرت بكتابة شعر عن «صور»، لكنْ كالعادة راحت المدينة بعد ذلك تشبه القصيدة ولم يعد هناك شك في أنني كتبتها. هل نسمي ذلك اختراع الواقع، أي واقع؟ حتى الكاميرا تخدع. قبل الكتابة بوقت جلت على المدينة أجمع التبرعات أثناء معركة العبور. دخلت كل أبواب الحي القديم وعلمت لدى ذلك أنني أعيش على أطرافه وأنه مليء بالخفايا. بوابة تفتحها فتجد نفسك في حارة صغيرة، بضعة منازل بعضها في ركن وبعضها على درجة مع شجرة بوسفير قديمة وأولاد يلعبون. مليء بالخفايا مليء بالعلب، لم أولد في صور، وعشرون سنة لي فيها لم تجعلني مندمجاً على النحو نفسه الذي لا أزال أجهل فيه جيراني داخل المبنى الذي أمضيت فيه ثلاث سنوات.

في اليوم التالي لجولتي في الحي القديم حملت كاميرتي كأي سائح وصورت البيوت والمرفأ القديم. هل كان لهذه الجولات السياحية صلة بالقصيدة، وهل يسعنا أن نجد خميرة حقيقية فيها؟ إذا صح ذلك فما أقل الواقع في قصيدة الواقع، وما أقل الواقع بل ما أضعفه. لو حاولنا أن نفرز في قصيدة عن مدينة أو سيرة ما هو أصلاً واقع لما وجدنا شيئاً مذكوراً، ولوجدنا أن «وقائع» القصيدة كلها مخترعة، وانها مصنوعة، فالصوت يولد الوقائع بقدر ما يولد المعاني. «وقائع» ليست من الواقع في شيء، فالشعر الواقعي هذر نقدي. وقائع الشعر وقائعه وحده. الأمكنة والأسماء والتواريخ، هذه لا تدخل القصيدة إلا لتغدو من كناياتها، أمكنة الوهم وأسماء الوهم وتواريخ الوهم، انها وهم الواقع بكلمة أكثر منها ذكرى الواقع كما تكلم إيف بونفوا عن سان جون برس. مع ذلك فإننا حين نقرأ عند ريتسوس ان الصبي الذي أدخل اصبعه في جيبه المثقوب ومر بها على لحم فخذه لامس العدم، نشعر ان العبارة ليست أقل استغلاقاً وانها رغم بساطتها الظاهرة لا تنفك، ولا دليل عليها، إلا أنها وجدت في القصيدة. لامس الصبي العدم في مزقه الجيب وفي لحم الفخذ البارد. لقد حدث ذلك شعرياً ولا مرد له. انه حدث شعري، والحدث الشعري متكامل في الشعر بسيط في الشعر وطبيعي في الشعر. فليس أكثر بداهة من أن يلامس الصبي العدم. لقد حصل ذلك بدليل انه قيل حدثا شعريا بكل صدمة الحدث وفوريته وفعله. يحدث الشعر أو لا يحدث، انه الصوت الذي ينزع دائماً ليكون وتراً. الصوت الذي يتكامل في حدث، في صورة بقي منها عظمها وسلكها أي بقيت حدثاً. الأبسط في الغالب غرض القصيدة وما من فن أكثر منها كراهية للتعقيد. لكن الشعر عيار نفسه فالبسيط بسيط الشعر. والبديهي بديهي الشعر وليس أكثر بداهة من أن يلامس الصبي العدم على جلده، ولو أن هذا ليس في البداهة بنفسها خارج الشعر. التنميق عدو الشعر والصوت يحتاج الى جسد عار وناسك كالشفرة، ذلك ان الشعر لا يأنف من شيء قدر انفته من لغة ثانية. لا يزين الشعر قولاً لكنه يقوله، وهو تماماً ما قاله. فمن العبث ان نجد المعنى في ناحية والصورة في ناحية أخرى، إذ ذلك لا تعود الصورة حدثاً، انها تخريج وترجمة. الصورة تكون حدثاً أو لا تكون، حدثاً متكاملاً عضوياً. الصورة لا تقع على صورة، انها تقع على حدث والصوت لا يقع على صوت، انه يقع على صورة. أيمكننا ببساطة هنا أن نتكلم عن التجسيد في الشعر، التجسيد بوصفه التظاهر الممكن لهذه الروح اللائية، لهذا الصوت المتردد التائه. الإيقاع بالتأكيد لا يطلب حكاية فحسب بل ملمساً، كيف نسمي الصوت الذي يمر على تحاريب الصخور أو ينزلق على الماء أو يغرق في الرياش، ألسنا نجد في كل ذلك ملامس أولاً. الأفكار وقائع في الشعر أولاً والصور أفعال، القصيدة بسيطة حتى حدود الفعل، مجسمة كالحدث. لا أحب شعراً تقع فيه الصورة على الصورة، والصوت على الصوت. أظنه شعر رياش لغوي، اللغة فيه تمتدح نفسها وتغامر كل لحظة في أن تغدو تفنناً، بل تجازف بأن تغدو كل لحظة اثنتين، لغة وصورة. اللغة لا تشتد هنا ولا تتشكل ولا يغدو لها فضاء وحيّز، أي انها لا تغدو مكاناً ولا يغدو لها مكان. فهي تبقى سابحة عائمة منتشرة، تظاهراً للغة بدون أن تكون لغة، تظاهراً للشعر في إطلاقه بدون أن تكون مركزاً، أو تلامس هذا المركز الذي هو كجلد الصبي المعنى نفسه. ولنقل ببساطة انها شعر بلا مادة، فليس أحوج من هذا الصوت التائه الى ان يحول اللغة الى عظم صلب، الى مادة. مادة للشعر أو لغة عظمية. ألسنا نكاد نتكلم هنا عن قصيدة مادية، قصيدة من لغة ذات ملمس وذات فعل وذات ثقل. من هوميروس الى اليوت الى ريلكه نجد المخيلة التي تسعى الى ان تتجسد، والى ان تجد باستمرار لنفسها تعبيراً مادياً. أليست جثة اليوت المزروعة مثلاً وجمع الحطب والذكريات عند الماغوط وأظافر الجثة التي تطول عند خليل حاوي، أليس هذا كلام يحول اللغة الى مادة، أو ما يشبه المادة. لا أنظّر لشعر مادي. المصطلح نفسه لا أطيقه، لكني أحس ان الشعر الذي أحببته كان دائماً قادراً على أن يمنحك لدى كل قراءة الإحساس بأن اللغة فعل والشعر مكان.

الخوف من اللغة

أعيد قراءة قصيدة فأحس كأنها نسجت من أحرف معينة، نظرت هكذا في قصيدة لي، «صور»، فوجدتها من صاد وضاد وطاء... الخ. قراءة كهذه مسدودة بالطبع ولا يمكن ان نبني عليها إلا في حساب طلسمي للأحرف. فنحن اعتدنا ان نقف على الجمل وحدها، إذ لا يصنع معنى من مفردة ولا من صوت، ولماذا لا نقول ان في الشعر جزءاً طلسمياً فعلاً وان للادلالة فيه مثل ما للدلالة. ما لا يتعقل ولا يفهم في الشعر مع بقائه فاعلاً وحيوياً في القصيدة. ليس هذا بالضرورة من بقايا السحر. فالألفاظ تشعوذ وتغر بنفسها وتتظاهر بذواتها أيضاً. اننا لا نتورع عن صلات مع الكلمات وحدها. صلات غامضة وهوسية ومغناطيسية لكنها مع ذلك قائمة. حين نكتب نرى الألفاظ أكثر مما نرى المعاني التي تنعقد، والى الأبد، خفية عنا. نرى ألفاظاً تقودنا الى أبعد أو تنتظرنا هناك، وهي جزء من هذا الصوت، الايقاع، الحس الذي ينظم الكلام أو يحوكه، والكلام في النهاية جمل، جمل فعلية أو أشكال جمل أو أشباه جمل. لكن بعض الألفاظ، يسطع في الجمل وفيه شيء ما يظل عصياً على الإدراك. ثمة هذا العنصر الطلسمي ولكن المادي أيضاً الذي يجعل الكلام لا للإدراك فحسب ولكن للمس والحس. هل يمكن أن ننجو من هذا الاحساس بقوة المفردات الخاصة، الذي هو جزء من «سحر» الشعر نفسه. قوة اللغة القدرية والعمياء، القوة الدهرية، قوة المكنون والمحفوظ، ألا يستمر فعل اللغة تاريخياً وقدرياً وسحرياً أيضاً. وقاموس شاعر أليس تعويذته على نحو ما، أليس طبيعته وكائناته وأشياءه، أي حياته داخل الشعر؟.

كان بودي أن استدعي سيرتي مع الكلمات، لكنها سيرة مبددة كما تبين لي عند المحاولة، أو أنها تحتاج الى طاقة تذكر خاصة نظير تلك التي تبعثها الروائح في الرواية البروستية، أي انها نوع من الذاكرة داخل الذاكرة وقلما يُقصى الى الخارج. طفولتنا محوطة بالأوثان، أوثان وجوه وأشياء وكلمات، اللامفهوم أو المهم يغدو سلطة، اننا نتوج لا معناه أو طلسميته. الكلمة هكذا قوة قبل ان تكون معنى. الأوثان تزول ويتنصب غيرها، في كل مرحلة ولا مراء (أحببت الآن أن أدرج هذه اللفظة التي قلما خطرت لي).

وثنية اللغة ليست طارئة، ففي وسع أكثر الألفاظ سيرورة أن تغدو في لحظة ما نذيراً خطراً. ليس لهذا قرب من الشعاراتية التي هي نوع من فهم أجوف، ووضوح بلا فهم، فثمة دائماً هذا الشعور بأن في اللغة ما انفقد، وانه لا يزال بعد في الداخل. الأصل والسر والاتصال المباشر. ثمة لغة وراء اللغة هي التي توثّنها. لغة المبهم الذي هو قوة الاتصال المفقود، أو المعنى الذي لم تعد تحتمله اللغة، وما من مفردة كلمة أو من حرف لا يمتلك القدرة على ان يغدو في لحظة محيراً غير متوقع. السحر فعل كلامي كما نتذكر. والشعر ليس سحراً لكنه لا يتبرأ من السحر. ثمة هذا اللامفهوم الذي لا نعرف كيف ندرجه في قراءة، ويمكن بطبيعة الحال إدراجه في قراءة ما. لكن المهم أن نمر قربه، أن نشعر بمغناطيسيته، بقوته، بإعادته لذاكرة المبهم التي هي، على نحو ما، ذاكرتنا الأخرى، فما لا يُتعقل جزء دائم من السر الشعري.

كان أبي يضمّن رسائله القليلة إليّ لفظة لم أفهمها وتأخرت عن الاستفسار عنها في القاموس الى حين من بعد وفاته. ووجدت معناها «النهى» وهذه أيضاً لم أفهمها إلا بصعوبة على أنها من أسماء العقل. وأسماء العقل كثيرة كأسماء الله، وهي جميعها تعنيه ولا تعنيه. لم يكن هذا درساً وحيداً لي، فقد سمعت من أبي عبارات من نوع «قلق الوضيم» وهو يتحدث عن كرب طالما انتابه، وهذه لم أسع الى الاستفسار عنها ولا زلت أجهل إذا كانت تتكلم عن جمل أو إنسان، لكني لا أشك أن وضيم أبي كان موجوداً هذه اللحظة في سويدائه وان صوته، وهو يقولها متصبراً مشدوداً، هو وحده الذي يفقه معناها. وكم كان لأبي عبارات لم أكن أنا ولا صوته نفقه معناها، فالأغلب انها عبارات هائمة منقرضة تتعين للحظة في نفس أو جسد ثم تعاود تيهها. تلك كانت أوثانه بالتأكيد، لا يرتجي منها ضراً ولا نفعاً لكنها تركب مع ذلك لسانه. أذكر ان صوته كان وهو يتلو أو يخطب رخامياً مستوياً عريضاً، يمسح الكلمات ويسحبها منظمة متساوية كأنما يصعد بها الى لغة أخرى.

هذه اللغة الغريبة المؤلفة من أوتاد وأركان، أوركسترانا غير المنظورة التي تجلجل بها عباراتنا، أبعد من مسامعنا وأصواتنا. لغة عليا من أقطاب يتطلع اليها كلامنا وغالباً ما يتبدد في مثالها. عاش أبي تقريباً بلا عبارة، كان يسمع فقط في تلك السماء غير المرئية ويدوي كلامه فيها على نحو لا يحتمله سمعي.

أكان من حظنا تزاحم هذه اللغات في لغتنا، أكان من أقدارنا تلك اللغة الأم المفارقة التي تزداد مفارقة وانفصالاً ولا نزال نخشى أن نفقدها في طريقنا الى العالم. كانت اللغة دائماً مسلطة على الشعر، اللغة أقوى من الشعر والشعر دائماً مريضها. اللغة تصارع النثر القوي المتفنن، أما الشعر الضيق النفس السريع الاعتطاب فتأخذه بالمداراة والحدب. النثر يلعب باللغة ويتحداها أما الشعر فيهرب منها ويقصر عنها خاسراً دائماً أمامها. إذا كان التمام والسلامة من صفة اللغة فهذه ليست صفة الشعر الذي هو عبارة معلقة لا ضمائرها ضمائر ولا أفعالها أفعال ولا خبرها خبر، انتحال للغة أو أشكال لغوية أو لغة صورية في أبعد تقدير. الشعر نصب الحكي والحكي يخرق اللغة من يمين أو شمال ولا يبالي بأن ينبني كخطأ لغوي، لا يبالي بتضييع اللغة وجرحها وتضييع نهاياتها وتشتيت صلاتها وتركها معلقة والبناء من أشباه الجمل وأشباه العبارات. ليس التمام والسلامة غريمي الشعر وإن قل أن يبدو الشعر تاماً سليماً، بل قل ان يبدو الشعر ممتلئاً بشيء. انه أقل الكلام وأقل القصد، وكأنه تفريغ الكلام ليبدو أقدر على استقبال سواه.

ربما لذلك يبدو الشعر الشكل الأبقى فصاحة مهما كان أسلوب الشاعر وطريقته، إذ لا نظن أن الشعر يبهرج وينمق. فالشعر هو الكلام/الحد. لا يترجم ولا يعرب ولا يزين، الصورة قائمة بذاتها كالحدث والواقعة وليست ترجمان شيء. وإذا كان الشعر هو الوتر والنواة والعظم فحسب، فإنه شبح اللغة ودخانها وفراغها أكثر منه لحمها وامتلاءها. ليست الفصاحة، لكنها بلاغة الحذف والتجويف والاقتصار على الأثر، فالعبارة الشعرية هي نوع من توالي آثار. تتوافق الآثار ولا تتكامل إلا أن الشكل اللغوي هو فضاؤها الآخر. لا تتوافق الآثار ولا تتكامل فتكون العبارة مفرغة من كل أجزائها وتكون في داخلها مجوفة أو معلقة، وما يبدو اكتمالاً ليس سوى تظاهر اللغة أو الشكل اللغوي وحده، ومهما يكن فإن من الهراء القول بأن الشعر ديوان اللغة وحارسها وحافظها. الشعر لغة ثانوية أقلوية لا تعم ولا يمكن زرعها أو إعادتها في مكان آخر.

هوى اللغة ليس سبباً للشعر، قد يكون الخوف من اللغة سبباً أهم. يخاف الشاعر من أن تقضي اللغة على كلامه الصغير. لذلك يسعى الى أن يفرد هذا الكلام ويجنبه. لا يحتمل الشعر اللغة لأنها تهدد وحدته وأبنيته الضعيفة، أقل لغة، أقل ما يمكن من اللغة أو اللغة حتى الوهم. قد يكون الشعر هكذا، قد يكون نوعاً من كره اللغة وتجنبها. في الشعر نظرة الأجنبي. مفتونو لغاتهم هم ببغاواتها، أما الشعراء فمرعوبو لغاتهم وما نظنه اعتداء على اللغة وتخريباً قد لا يكون سوى مخاوف الغريب: الاحتياط وإيثار الضفاف القريبة النطق الصعب والقلق حيال أسرار ودقائق اللغة الى حد الغلط، الرغبة الخفية بالخطأ. الشعر يردّ اللغة تمريناً، يتناولها مفككة كما تتعلم عادة كلمات وتراكيب مبتورة ومباني متفرقة. يتناولها أجزاء وبقايا ونثرات. وما نظنه هوى اللغة هو هوى جزئيات منها. تعلق حسي بألفاظ وتراكيب. انها لغة ناقصة وجزئية ومنفرطة تلك التي يستدعيها الشعر. لغة شخصية، ومسبقة تقريباً. الشعر يصل بين الكلمات واللاكلمات، بين الألفاظ والفجوات، بين الأحرف والصمت. القصيدة تصنع من هذه اللغة الناقصة، تتدافع فيها الألفاظ والجمل في وقت واحد. وربما تصنع كما كان يقول بيكاسو لا بأول لون بل بأول كلمة. ليس أول القصيدة واضحاً. الكلمة أم العبارة الايقاع أم المعنى، فالقصيدة كلها في البدء، انها غالباً بدء واحد. ولربما كانت تبدأ ضمناً في كل سطر.

الكلام يهل أكثر مما يتدرج ويتتابع، يهل اشراقات وموجات. لا تحرك اللغة كثيراً ولا تبتعد كثيراً عن نقطة البداية. أليس هذا تمريناً سيئاً للغة، الوقوف عند جملة ابتداء واحدة. أليست القصيدة مقسورة على ان تبقى في أضعف لغة. ليست فحسب لغة متعثرة بل لغة في أقل درجة، مفرغة الى أبعد ما يمكن من فصاحتها وخزينها التعبيري. الشعر لا يستوي مع التنميق والحذاقة في صف واحد ولو ان الشعر يحوي تنميقاً وحذاقة. الشعر دائماً قبل ان تغدو اللغة قوة الفن الوحيدة وسنده الأول. الشعر قبل أن تبدأ اللغة انه نوع من قراءة أولى من تهجئة، من إرساء ألفاظ وتركها مفرغة إلا من الفراغ والسحر والمادة والوجود العضوي، القصيدة تسطع بمادتها ووجودها البسيط الذي هو أقل ما يكون تداخلاً وشبكاً. انه في الغالب تناظر بسيط، هو الهندسة الأبسط واللعب المباشر بالفراغات التي تملأ النص بين كل سطر وسطر، وربما داخل السطور نفسها.

قرأت شعراً، لا أدري هل قرأت كثيراً لكني انشغلت دائماً بالشعر، قراءة وتشرباً لما أقرأ وتفكيراً في الشعر. أي كنت دائماً في طاحونة الفراغ هذه، بدا لي ان الشعر يبتعث الشعر، كنت ولا أزال أقرأ شعراً قبل أن أكتب على أمل أن تسهل جرعة قوية من شعر أثير خروج الشعر مني. أقرأ كمن يتلو تعويذة أو كمن يستحضر الشعر. بل أقرأ دون اهتمام إلا بتلك المواضع التي أحدس أن الشعر، شعري أنا، يمكن أن يخرج منها. أقرأ في الغالب شعراً أعرفه جيداً ولا أشك في قيمته، إذ لا سبيل لنا للتأكد من الشعر إلا في قصيدة نحبها. ذلك هو القبض الوحيد على الشعر وضمانته اليتيمة وما عدا ذلك فالشعر سراب. أقرأ أشعاراً لا أشك فيها فأحسب أنني وجدت الشعر وأنني إذ بدأت الآن لن أبدأ من أكذوبة، أن الشعر الذي قرأت هو الأثر الوحيد للشعر وانني، دون أن أدري كيف، استند اليه، أعرف ان هذا يثير استغراب الشعراء الذين يصرحون انهم لا يقرأون شعراً حين كتابتهم لئلا يداخلها شيء منه، بل يصرح بعضهم بأنهم لا يقرأون الشعر إلا قليلاً لتبقى لهم مناعتهم الشعرية. هؤلاء ملأى، أما أنا ففارغ. أهذا هو السبب، لا أدري، انهم ملأى بالشعر أما انا فليس الشعر عندي على الطريق، وأعرف أن القراءة ليست ضمانة، لكن الشعر لا يبتعث الشعر من لا شيء. انه يوفر للشعر الدعسة الأولى التي لا يجسر عليها. الدعسة الأولى أشبه بالموت، يبدأ الشعر رعباً وطالما غلبنا خوفنا فتراجعنا. يخشى الشعراء أن يداخل شعرهم شيء مما يقرأون، لا بأس فليخافوا، يحسبون ان الشعر يأتي إذا كنا أنقياء له وانه بعدئذ يغدو كلياً ملكنا. لا أعرف إذا كان في وسعنا ان نجتاز خطوة الرعب هذه بأي تعويذة، لكن النقاء للشعر والامتلاء منه والفيض به يتطلب يقيناً من الشعر لا أملكه، فالشعر شبح ونؤمن به قدر ما نؤمن بالأشباح. توجسنا أقوى أدلتنا بالتأكيد. لا لا يمكن أن نضمن الشعر، فثمة دائماً هذه الخطوة التي هي عبور في الموت، ثمة هذا العجز الذي يغدو، من دون معجزة وربما بالإلحاح والصبر والمفاجأة، إمكاناً، ثمة هذا الفراغ الذي يتظاهر في خيط أول، لكن الاستعداد للشعر قلما يجلبه. اننا نخادعه كما نخادع النوم الذي لا يأتي هو الآخر لأهل الأرق بانتظاره في سرير نظيف. القفز من شعر أكيد الى شعرنا الخاص هو لعبة الحاوي هذه. نفعلها هكذا حتى لا يسمعنا الشعر فيفر، ليغدو في الكتابة حين يظن نفسه لا يزال آمناً في القراءة.

أقرأ لأن الشعر يتحقق في نص، وليس دليلنا الى الشعر سوى القصائد التي نعرف، فهذا هو الشعر الوحيد الذي نملكه. هل نتأثر، لسنا نتأثر فحسب لكننا نتكون. إن شعراً نحبه يكوّننا، فذاتنا الشعرية لا نجدها فحسب بل نولّدها، وفي وسع قصيدة واحدة أن تدفعنا شطراً في هذا السبيل. قلما يقرّ الشعراء العرب بتأثراتهم. انهم يجدون الشعر في ذواتهم، لكنه الشعر الذي نولد جميعاً عليه، الشعر السابق على النظم وعلى القصيدة، وهذا شعر أخشى أن أصدق نماذجه في بريد القرّاء.

قرأت شعراً لا أدري إذا كان كثيراً حقاً. فكرت طويلاً بالشعر، وكنت كلما تقدمت في السؤال خسرت من أجوبتي، لكنه ليس ضائعاً ذلك الوقت الذي نقضيه في استنطاق العدم. مررت قرب اللاشيء وعشت مغامرة تبديد رائعة للفكر، ثم لا شيء في وفاضي. لا شيء عن عيار الشعر وتعريف الشعر وماهية الشعر وطبقة الشعر. لا شيء كأن هذا الفن بلا درس تقريباً، إذا تكلمنا عن عيار الشعر أو تعريف الشعر ساوينا بين سقط الشعر وبين الشعر. هل الشعر موجود، ذلك هو السؤال الذي نتجاوزه دائماً إذ ليس في يدنا أن نتأكد من وجود أي شيء. لكن غياب الشعر ليس كأي غياب، إذ الذين لا يجدون الشعر كفاية في القصائد يجدونه كيوتيوبيا وأمثولة حياة ومقام تخليد وتكريم وايجاب. طالما اعتبرنا الشعر فوق القصائد وكأننا نمنحه حرية ان يوجد أو لا يوجد، بعيداً عن اختبارنا. أما الذين ينبشون في القصائد فسيأتيهم وقت يساورهم فيه إحساس بأن الشعر لا يتحقق إلا نادراً، وأن وسط تظاهر الكلام وحيله وعاداته يفلت أحياناً النادر الذي هو بكليته طاقة ومعنى. يتحقق الشعر مرة فنفقد أكثر عياره وتعريفه. هل نحتاج الى حد أدنى هو التعريف والعيار، أم أن الشعر لا يؤخذ من هنا فهو غالباً في حدود أعلى. انه تطلب وتطلب فحسب.

لا أذهب الى الكتابة وأنا خلو من أي غرض. في رأسي غالباً هذا اللامسمى. لكن الماثل مع ذلك، الى حد نسمعه فيه ونكاد نتحسسه... بمجرد أن أجد العبارة الأولى، تغدو الكتابة شكلاً منظماً من الابتعاد، ابتعادٍ عن لا مسمى، عن نقطة مفترضة.

نص لم ينته